تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
. . .
شرح
الأوّل بأنّ الأصل في العطف التغاير بالذات ، ويجاب بأنّ هناك تفصيلا هو أنّ أداة العطف إن توسطت بين الذوات اقتضت تغايرها بالذات ، وإن توسطت بين الصفات اقتضت تغايرها بحسب المفهومات وكذا الحكم في التأكيد والبدل ونحوهما ، وإن وقعت فيما يحتملهما على سواء كان الحمل على التغاير بالذات أولى ، فلا يحكم في مثل زيد عالم وعاقل بأنّ الحمل على تغاير الذات أظهر ، وقد رجح في الآية الكريمة الحمل على عطف الصفة بأن وضع الذين على أن يكون صفة ، فالظاهر عطفه على الموصول الأوّل على أنه صفة أخرى للمتقين بلا تقسيم مع أنّ ما تقدّم من وجوه الترجيح شاهد له ( أقول ) المتبادر من السياق استقلال كل منهما لا سيما في مقام المدح ، لأنهم يؤتون أجرهم مرتين كما مرّ من الإشارة إلى التصريح في الآيات والأحاديث وأمّا قوله تعالىقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ[ سورة البقرة ، الآية : 136 ] الآية ففيها صارف عما ذكر معنى ولفظا . أمّا الأوّل فلأنّ الخطاب للمسلمين فلا يقتضي الإيمان بكل منها على الانفراد . وقوله : ( قولوا ) دالّ عليه ، فإنه تكليف بقوله دفعة واحدة . وأمّا الثاني فلأنه لم يعد فيه الإيمان ، والمؤمن بل جعل ذلك إيمانا واحدا لعدم الاستقلال ، فلا يرد نقضا كما لا يخفى ، والإيهام المتوهم من قولهوَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَمدفوع بأنّ مدح الفريق الأوّل بالإيمان الكامل ، ودخول الآخرة في الإيمان بالغيب دخولا أوّليا صارف عنه بغير شبهة ، وإنما هو تعريض بأهل الكتاب ، وما كانوا عليه قبل الإيمان بما أنزل إلينا ، فإذا كمل إيمانهم بهذا علم كمال إيمان غيرهم بالطريق الأولى ، وأمّا أنّ اليهود لم يؤمنوا بالإنجيل ، وكون دينهم منسوخا حتى قيل : المراد بأهل الكتاب هنا أهل الإنجيل فقط ، فقد أجيب عنه بأنّ الإنجيل ليس بناسخ للتوراة بل مبين لها كما في الملل والنحل وغيره وسيأتي بيانه ، أو الكلام على التوزيع ، وليس خلاف المتبادر كما لا يخفى ، وأمّا كون إقامة الصلاة ، وما معه مشتركا بين القبيلين ، فمسلّم لكنه لا يضرنا لأنه مذكور في الأوّل صريحا وفي الثاني التزاما لاستلزام الإيمان بما أنزل له وأمّا جعل الصفة الثانية داخلة تحت الأولى صريحا وفي الثاني التزاما لاستلزام الإيمان بما أنزل له وأمّا جعل الصفة الثانية داخلة تحت الأولى ومنفردة بالذكر ، فغير ظاهر إلّا أن يقال الإيمان باللّه وإن كان أصلا لكن طريق سعادة الدارين مستفاد من الكتب ، وجعل الإيمان بالآخرة مقصودا أصليا من ملة الإسلام ظاهر ، فإن قلت كيف يكون تعريضا بأهل الكتاب والمفهوم منه إنّ الإيقان بالآخرة حقيقة مختص بأهل القرآن دون أهل الكتب السماوية السالفة ، فالمستفاد منها خلاف حقية الآخرة ، وهو غير صحيح فإنّ أهل الحق من أهل الإسلام ، وأهل الكتاب يعتقدون حقيتها ، وأهل الباطل منهم جميعا ، كالملاحدة والمحرّفين ليسوا كذلك ، قلت قد أجاب عن هذا بعض المدققين بأنّ الكتب السالفة لم تتعرّض لتفصيل أحوال الآخرة ، فلذا ظنّ أهلها ظنونا فارغة بخلاف القرآن الناطق بتفصيلها وبيانها ،
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 364 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي