تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
من العبادات البدنية والمالية وبين الإيمان بما لا طريق إليه غير السمع وكرّر الموصول تنبيها
شرح
باماراته ، وفي المعطوف التصديق بما أنزل إليه وإلى من قبله . وقوله : ( جملة ) أي مجملا ، وهو منصوب بنزع الخافض أو على الحالية ، وخصه بهذا لأنه كما مرّ الإيمان باللّه وصفاته والآخرة وأحوالها ، وذلك لا يمكن الوقوف على كنهه وتفصيله . وقوله : ( والإتيان إلخ ) مجرور معطوف على الإيمان والضمير في يصدّقه راجع إليه ، فأثبت التغاير بينهما بعد تغاير مفهوميهما بوجهين . الأوّل : أنّ الإيمان بالأوّل إجمالي وبالثاني تفصيلي . والثاني : أنّ الأوّل عقل والثاني نقل والمصدّق العبادات البدنية والمالية المفهومة من قوله :يُقِيمُونَ الصَّلاةَإلخ فإن قلت : الإتيان بهذا المصدّق فرع الإتيان بما لا طريق إليه غير السمع ، لأنه يعلم بالوحي والكتب المنزلة ، فعلى هذا ينبغي أن يقدّم الإيمان المنزلين على الإتيان بالصلاة والزكاة ، قلت الإيمان بالغيب أهم وأعظم ، ولخفائه احتياجه للمصدّق أقوى ، ولذا جعله بعضهم داخلا في الإيمان ، وينبغي اتصاله به . وقوله : ( غير السمع ) قيل : إنه أتى فيه بالحصر ، ولم يأت به فيما قبله لأنّ ما قبله يجوز أن يدرك بالسمع أيضا بخلاف هذا ، فإنّه لا يدرك ابتداء بغير السمع ، وفيه أنه قد يدرك بالعقل فيعرف أنه كلام اللّه بالإعجاز المدرك بالعقل والذوق فتأمّل . قوله : ( وكرّر الموصول إلخ ) جواب عما يقال كان يكفي فيما ذكر عطف الصلات بعضها على بعض وهو ظاهر ، وأمّا إعادة الموصل فيما أنزل فغير محتاج للتوجيه ، لما فيه من التغاير الحقيقيّ ، فلا يرد عليه أنه يحتاج أيضا إلى نكتة كما قيل : والمراد بالقبيلين قسما الإيمان المذكوران في النظم والسبيلين طريقا الإدراك من العقل والنقل ، ووجه دلالة إعادة الموصول على ذلك ما فيه من الإشارة إلى استقلال كل من الوصفين وتنزيل تغاير الوصفين منزلة تغاير الذاتين ، وفائدة العطف ما مرّ من معنى الجمع ، وقال قدّس سرّه : رجح هذا الاحتمال على الأوّل بأنّ الإيمان بالمنزلين مشترك بين المؤمنين قاطبة ، فلا وجه لتخصيصه بمؤمني أهل الكتاب ، ولا دلالة للأفراد بالذكر في الآية على أنّ الإيمان بكل منهما بطريق الاستقلال ألا ترى إلى قوله تعالىقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ[ سورة البقرة ، الآية : 136 ] صلّى اللّه عليه وسلّم فقد أفرد فيه الكتب المنزلة من قبل ، ولم يقتض الإيمان بها على الانفراد وبأنّ ما ذكر في تقديم بالآخرة ، وبناء يوقنون على هم إنما يقع موقعه إذا عمّ المؤمنين ، وإلّا أوهم نفيه عن الطائفة الأولى ، فإنّ أهل الكتاب لم يكونوا مؤمنين بجميع ما أنزل من قبل ، فإنّ اليهود لم يؤمنوا بالإنجيل ، وما يقال : من أنّ اشتمال إيمانهم على كل وحي إنما هو بالنظر إلى جميعهم ، فاليهود اشتمل إيمانهم على القرآن والتوراة والنصارى اشتمل إيمانهم على القرآن والإنجيل مردود بأنّ المفهوم المتبادر من استعمال ما نحن فيه ثبوت الحكم لكل واحد ، وبأنّ الصفات السابقة ثابتة لمن آمن من أهل الكتاب ، فتخصيصها بمن عداهم تحكم وجعل الكلام من قبيل عطف الخاص على العامّ لا يلائم المقام ، وقد يرجح الاحتمال