ويحتمل أن يراد به الإنفاق من جميع المعاون التي آتاهم اللّه من النعم الظاهرة والباطنة
شرح
جاز أن يقال شعر معجز ، والسجع مما تألفه الكهان ، وقد أنكر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على من سجع عنده « 1 » على ما عرف في كتب الحديث ، ولو كان سجعا كان قبيحا لتقارب أوزانه واختلاف طرقه فيخرج عن نهجه المعروف ، ويكون كشعر غير موزون وما احتجوا به من التقديم والتأخير ليس بشيء فإنه لذكر القصة بطرق مختلفة ( أقول ) أطال بلا طائل لتوهمه أنّ السجع كالشعر لالتزام تقفيته ينافي جزالة المعنى .
وبلاغته لاستتباعه للحشو المخلّ وأنّ الإعجاز بمخالفته لأساليب الكلام فشنع على هؤلاء الاعلام ، وليس بشيء ، والعجب منه أنه ذكر كلام الباقلاني مع التصريح فيه بأنّ من السلف من ذهب إليه ، والحق أنه في القرآن من غير التزام له في الأكثر وكأنّ من نفاه نفى التزامه أو أكثريته ، ومن أثبته أراد وروده فيه في الجملة ، فاحفظه ولا تلتفت لما سواه ، وهذا مما ينفعك فيما سيأتي ولذا فصلناه هنا لتكون على ثبت منه ، والذي عليه العلماء أنه تطلق الفواصل عليه دون السجع . قوله : ( وإدخال من إلخ ) قد مرّ أنّ الجارّ والمجرور في محل نصب لأنه صفة مفعول مقدّر قد قام مقامه لا مفعول حقيقة ميلا مع المعنى لأنه اسم تأويلا كما سيأتي في قوله ( ومن الناس ) وقد قيل : إنّ هذه النكتة مبنية على أنّ المراد بالإنفاق مطلقه الأعمّ إذ الزكاة لا تكون بجميع المال ، وأنه مخصوص بمن لم يصبر على الفاقة ويتجرّع مرارة الإضاقة ، وقد تصدّق بعضهم بجميع ماله ، ولم ينكره عليه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما في بعض الحواشي من أنّ المصنّف تبع في هذا الزمخشريّ ، وهو نزغة اعتزالية وهم فاسد . قوله :
( ويحتمل إلخ ) المعاون بوزن المساجد جمع معونة ، وهي ما يستعان به وينتفع من العون ، وهو المساعدة والمظاهرة ويقال : استعانه واستعان به ، والاسم منه المعونة والمعانة بالفتح ، ووزن المعونة مفعلة بضم العين ، وبعضهم يجعل الميم أصلية ، فوزنها فعولة وجمعها على معاون قياس ، فلا يقال إنه لم يوجد في كتب اللغة المشهورة ، وأنه ركيك وهي عامّة لما ينتفع به في قوام البدن وبقاء الروح ، فيشمل المال والعلوم والمعارف ، والإنفاق حينئذ بمعنى الإيصال مطلقا بالبذل والتعليم وغير ذلك ، فهو مجاز من استعمال المقيد في المطلق فليس فيه جمع بين الحقيقة والمجاز كما توهم ، والرزق رزق الأبدان وهو معلوم ، ورزق القلوب وهو المعارف ، وأجلها معرفة اللّه تعالى ، ومقام المدح يقتضي التعميم ، لكنه خلاف الظاهر المعروف في استعمال الرزق والإنفاق ، ولذا أخره والإنفاق من المعارف يزيدها ومن الأموال ينقصها وهذا من كلام الراغب . وعبارته : الإنفاق كما يكون من المال والنعم الظاهرة يكون من النعم الباطنة كالعلم والقوّة والجاه ، والجود التامّ بذل العلم ومتاع الدنيا عرض زائل ، وقال بعض المحققين
هامش
( 1 ) لعل المصنف يشير إلى قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أسجع كسجع الجاهلية » ؟ ! وهو عند مسلم 1682 من حديث المغيرة بن شعبة .