فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
وأنفق الشيء وأنفده أخوان ، ولو استقريت الألفاظ وجدت كل ما فاؤه نون ، وعينه فاء دالا على معنى الذهاب والخروج ، والظاهر من انفاق ما رزقهم اللّه صرف المال في سبيل الخير من الفرض والنفل ، ومن فسره بالزكاة ذكر أفضل أنواعه والأصل فيه أو خصصه بها لاقترانه بما هو شقيقها ، وتقديم المفعول للاهتمام به
شرح
بالسكين أي كل دابة تتصف بالمذبوحية ، فيخرج السمك وقد قيل إنّ هذا يتوقف على وجود من لم يتغذ طول عمره بحلال مّا ، وأن لا يكون له في الأرض مناط ، وهو لا يكاد يوجد على أنّ الآية إنما تدل على أنه يسوق الرزق إلى كل دابة ويمكنها منه لا أنها تتغذى بما سيق لها بالفعل .
( وقد سنح لي هنا نكتة ) وهي أنّ الدابة ، وإن عمت إلّا أنّ المتبادر منها الحيوانات غير الناطقة ، ففيها توبيخ لمن يهتم بتدبير المعيشة ، فكأنه قيل له ما لك تتعب فيما يتيسر للحيوان بلا تعب . قوله : ( وأنفق الشيء وأنفذه إلخ ) أنفذه بالدال المهملة ، والمراد بالاخوّة توافقهما في الاشتقاق ، وهو هنا الاشتقاق الأكبر ، وهو الاشتراك في أصل المعنى ، وأكثر الحروف مع التناسب في الباقي مخرجا ، ولذا اقتصر على الفاء والعين كنفي ونفع وأمثالهما والذهاب يكون بمعنى المضيّ والضياع . وقوله : ( والظاهر إلخ ) يعني به أنّ الظاهر منه حمل الإنفاق على ما يشمل أنواعه فرضا ونفلا ، ومن حمله على الزكاة كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وكذا من فسره بالنفقة على الأهل فيحتمل أنه لم يرد التخصيص ، وإنما اقتصر على أكمل أفرادها وأمّا أن يريده بقرينة الصلاة المقرونة بالزكاة في كثير من الآيات والشيء بالشيء يذكر والقرينة أمر ظنّيّ لا قطعيّ حتى يقال : مع القرينة المذكورة كيف يحمل على العموم .
وقوله : ( في سبيل الخير ) وقع في نسخة بدله سبيل اللّه وهما متقاربان ، وفي شرح سير محمد الكبير للسرخسي سبيلا للّه جهة القربة والطاعة ، فلو أوصى بثلث ماله في سبيل اللّه صرف في طاعة وقربة لأنّ كلّ طاعة سبيل اللّه كما في الحديث : « من شاب شيبة في سبيل اللّه كانت له نورا يوم القيامة » « 1 » أي في الطاعة لرواية في الإسلام ، وهو إن أطلق يتبادر منه الغزو والجهاد وكون الزكاة أفضل أنواع الإنفاق لأنها فرض ، فتكون أكثر ثوابا ولذا عدّت من أصول الدين ، وشقيقتها أختها والمراد بها الصلاة لاقترانها بها وكونها بمنزلتها في العبادات البدنية لاستتباعها لغيرها ، وقولهم باب الصلاة باب الزكاة ، وفلان يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة لا يستشهد به هنا لتفرّعه عما ورد في التنزيل فتأمّل . قوله : ( وتقديم المفعول إلخ ) في الكشاف أنه دلالة على
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 1635 والنسائي 6 / 26 وأحمد 4 / 113 و 386 وابن حبان 2984 والبيهقي 9 / 161 و 272 من حديث أبي نجيح السّلمي .
وقال الترمذي : حديث حسن صحيح اه وهو كما قال .