الطلق ، فإنّ انفاق الحرام لا يوجب المدح وذمّ المشركين على تحريم بعض ما رزقهم اللّه تعالى بقوله :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا
[ سورة يونس ، الآية : 59 ]
قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ
[ سورة يونس ، الآية : 59 ] وأصحابنا جعلوا الإسناد للتعظيم ، والتحريض على الإنفاق ، والذمّ لتحريم ما لم يحرّم ، واختصاص ما رزقناهم بالحلال
شرح
حمل أي حلال ، وافعل هذا طلقا لك أي حلالا ويقال الطلق المطلق الذي يتمكن صاحبه فيه من جميع التصرّفات فيكون فعل بمعنى مفعول مثل الذبح بمعنى المذبوح اه . قوله : ( فإنّ إنفاق الحرام إلخ ) بيان وتعليل للإيذان ، ولا يرد عليه قول الفقهاء إذا اجتمع عند أحد مال لا يعرف صاحبه ينبغي له أن يتصدّق به ، فإذا وجد صاحبه دفع قيمته أو مثله إليه ، فهذا الإنفاق مما يثاب عليه لأنه لما فعله بإذن الشارع استحق المدح لأنه لما لم يعرف صاحبه كان في يده وله التصرّف فيه ، وانتقل بالضمان إلى ملكه وتبدّلت الحرمة إلى ثمنه فتأمل . قوله : ( وذمّ المشركين إلخ ) عطف على قوله وأسند إلخ وهذا دليل ثان لهم بأنهم ذموا على جعل بعض الحرام رزقا فيقتضي أنه ليس كذلك ، ولا يخفى ضعفه فإنهم إنما ذموا على جرأتهم على التحريم والتحليل وهو لا يليق بغير الشارع وسيأتي ما فيه . قوله : ( وأصحابنا إلخ ) حاصله منع كون الإسناد للإيذان المذكور بل لأمر آخر ، وهو تعظيم الرزق لأنه جل وعلا إنما يضاف إليه ، وينسب ما عظم كبيت اللّه ، وقال تعالى حكايةوَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ[ سورة الشعراء ، الآية :
80 ] فإنه إنما يضاف إليه الأفضل فالأفضل وتعظيم الرزق يتضمن معرفة قدر النعمة وهو أوّل مراتب الشكر وأمّا التحريض وهو الحثّ على الإنفاق فلأنّ الرزق إذا كان منه وله لا ينبغي الإمساك ، وقد قيل الجود بالموجود ثقة بالمعبود ، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية ، ومن تحقق أنّ معطيه ذو الجلال والإكرام كيف يضنّ بما لديه من الحطام ولذا قال عليه الصلاة والسلام :
« أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا » « 1 » . وقيل إنه لتعظيم حق الإنفاق بأن يعرف أنه معط من مال اللّه لعبيده فلا يضيفه لنفسه لأنه أمين يصرف ماله لمستحقه ، وهذا مع ظهوره خفي على من قال إنّ التحريض غير ظاهر ، وهو إنما يفهم من المدح ، وقد يوجه بأنّ الرزق والإنفاق يشتركان في أنهما صرف الشيء إلى الغير ، فإذا كان الرزق صفة كمال لنسبته إلى اللّه تعالى كان الإنفاق كذلك وهذا مما يقضي منه العجب . قوله : ( والذم لتحريم ما لم يحرّم ) مبني للفاعل
هامش
( 1 ) أخرجه أبو يعلى 6040 والطبراني في الكبير 1024 و 1025 و 1026 وأبو نعيم في الحلية 2 / 280 و 6 / 274 من حديث أبي هريرة . وقال الهيثمي في المجمع 3 / 126 : وفيه مبارك بن فضالة ، وهو ثقة وفيه كلام ، وبقية رجاله رجال الصحيح ، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن اه .
- وله شاهد من حديث ابن مسعود أخرجه الطبراني في الكبير 1020 و 1030 والقضاعي في الشهاب 749 .
- وله شاهد آخر من حديث بلال أخرجه الطبراني 1021 و 1022 وإسناده ضعيف فيه طلحة بن زيد ، وهو ضعيف ، وكذا يزيد بن سنان .