شرح
التحقيق وضعت لأنواع وأعراض تتعدّد بتعدّد محالها القائمة بها كزيد وعمرو ، وقد تجعل أعلاما شخصية باعتبار أن المتعدّد باعتبار المحلّ يعدّ واحدا في العرف ، وهو إنما يتمّ إذا لم تكن موضوعة للمفهوم الاجماليّ وتردّد السبكيّ في أسماء العلوم هل هي أعلام بالغلبة أو منقولات عرفية كالدابة ورجح الثانية ، وسيأتي تتمة لهذا المبحث في تعريف الجلالة الكريمة .
قوله : ( لأنها مفتتحه ومبدؤه الخ ) الأمّ في اللغة الأصل والوالدة ثم أطلق على الفاتحة ومحكم القرآن قال تعالى :مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ[ سورة آل عمران ، الآية : 7 ] ومفتتح اسم مفعول أو اسم مكان أو مصدر ميمي ، وقال صاحب القاموس في شرح الديباجة المفتتح لغة شائعة فصيحة يقال فتحه وافتتحه نقيض أغلقه ، وأمّا المختتم فغير فصيحة ، ولا تكاد توجد عند لغويّ ثبت ، والمراد به غير الأوّل ولذا عطف عليه قوله ومبدؤه عطفا تفسيريا ، ولما كان افتتاحه وابتداؤه بها في كتابة المصاحف ، أو في التلاوة ، أو في الصلاة أو في النزول بناء على أنها أوّل سورة نزلت ويتلوها ما عداها في ذلك جعلت أمّا وأصلا له ومنشأ بطريق التسبب لأنّ الولد يتكوّن ويوجد بعه أمّه ، ولذلك سميت أساسا لتوقف بقية البناء وابتنائه عليه ، ووجوده بعده وبهذا التقرير سقط ما في بعض الحواشي من الأوهام مثل ما قيل من أنّ المبدأ يقال للجزء الأوّل ، ولما منه ذلك الشيء ، والفاتحة مبدأ بالمعنى الأوّل ، وأمّ بالمعنى الثاني ، فجعل هذا وجها لتسميتها أمّا غير مرضي ، وكذا ما قيل أنه لا فائدة لذكر الأصالة والمنشئية إذ ليس في الفاتحة سوى المبدئية ، وإن كانتا موجودتين في المنقول عنه ، وهي الوالدة والأمّ في اللغة الأصل ، ومنه قيل للوالدة : أصل وحينئذ لا يناسب ذكر كان ، لأن الجزء الأوّل من الشيء أصل ينبني عليه باقي الأجزاء من حيث أنها أجزاء متأخرة انتهى .
وقيل : إنها سميت أما لجمعها كل خير كأمّ الدماغ الجامعة للحواس ، أو لأنها مفزع أهل الإيمان كما تسمى الراية أمّا وركاكته ظاهرة ، فإن قلت : زعم بعض فضلاء العصر أنّ قوله في الكشاف ، وتسمى أمّ القرآن لأنّ أم الشيء أصله وهي مشتملة على كليات معاني القرآن أولى مما ذكره المصنف ، لأنّ الاشتمال أنسب بالأمّ من الافتتاح ، والمبتدئية بمعنى الابتداء ، وإن كان ما ذكره صحيحا أيضا .
قلت : هذا وهم منه فإنّ المصنف ذكر ما في الكشاف بعينه وزاد عليه وجها آخر قدّمه عليه إشارة لأرجحيته عنده لأنّ أصل معنى القرآن والكتاب الألفاظ لا المعاني ، وهو فيما اختاره باق على أصله بخلافه في الوجه الثاني فإنه محتاج إلى التجوّز أو التقدير . أي أمّ معاني القرآن ، وهو بعيد كحمل القرآن على المعاني ، وهذا لم ينبه عليه أحد وتنبه له .
وأعلم أنّ في كلام المصنف هنا وجهين :
أحدهما : أن يكون قوله مفتتحه بيانا لوجه التسمية بفاتحة الكتاب ، ومبدؤه لأمّ القرآن لفا