تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
استحالوا من اللّه تعالى أن يمكن من الحرام ، لأنه منع من الانتفاع به ، وأمر بالزجر عنه قالوا
شرح
والعرف خصصه والتخصيص جعله خاصا به لا يتعدّاه ، وتمكينه من الانتفاع به بحيث لا يمنعه مانع منه يقال مكنته من الشيء أي جعلت له عليه قدرة فتمكن منه ، واستمكن وكذا أمكنته ، ويقال أمكنه الأمر إذا سهل وتيسر ، والانتفاع به بأكله وشربه ولبسه ونحوه والمراد بالعرف عرف اللغة ، أو الشرع ويستعمل الرزق بمعنى المرزوق المنتفع به ، وهو النصيب المعطى لأنه يتعدّى لمفعولين ، فيصح تسمية كل منهما مفعولا إلّا أنّ المتبادر منه الثاني إذا أطلق لأنّ الأوّل آخذ فهو فاعل معنى كما صرّح به النحاة ، فمن قال الظاهر أنّ المرزوق الشخص الذي وصل إليه الرزق لا نفس الحظ فقد خلط وخبط ، وتمكن الانتفاع صحته منه ، وإن لم يكن بالفعل فهو بمعنى ما قيل من أنه سوق اللّه إلى الحيوان ما ينتفع به كما هو عند الجميع ، والفرق ما سيأتي من فسره بما ساقه إلى العبد ليأكله فهو باعتبار الأغلب أو التغليب ، وما أعطاه الناس لغيرهم داخل فيه لتمكنهم منه أو هو رزق نظرا للغير الواصل إليه كما قال :لم لا أحبّ الضيف أو * أرتاح من طرب إليهوالضيف يأكل رزقه * عندي ويشكرني عليهوقيل هو ما به قيام الحيوان وبقاؤه . قوله : ( والمعتزلة لما استحالوا إلخ ) ردّ على الزمخشريّ ، وقد اختلفوا في أنّ الحرام رزق أم لا وليس الخلاف في معناه اللغوي ، فإنه ما ينتفع به مطلقا كما صرّحوا به وليس هو مما ينبغي ذكره في علم الكلام وليس أيضا نزاعا لفظيا راجعا لتفسيره بل النزاع في معناه شرعا بعد الاتفاق على أنّ الإضافة إلى اللّه الرازق معتبرة في مفهومه ، ولذا فسر تارة بما أعطاه اللّه عبده ومكنه من التصرّف فيه بحيث لا يكون لغيره المنع منه ، فلا يكون الحرام رزقا وتارة بما أعطاه اللّه لقوامه وبقائه خاصة فقالت المعتزلة : لما كانت الإضافة إليه تعالى معتبرة فيه لزم أن لا يصدق على الحرام بناء على أصلهم الفاسد في عدم إسناد القبائح إليه تعالى وأهل السنة قالوا كل من عند اللّه ، والإضافة لا تمنع كون الحرام رزقا وفي الكشف الاتفاق على أنه من فضل اللّه عليهم كما تفضل بالإيجاد وسائر أسباب التمكين ، فليس عدم الاستناد لكونه ليس من فعله تعالى ، كما توهم بعضهم بل لأنهم يقولون لا يحسن أن يسند إليه تعظيما له ولأنّ فيه شوبا من فعل العباد ، لأنهم أكسبوه وصف الحرمة فنقول التعظيم في إسناده إلى اللّه تعالى لئلا يوهم إيجاد العبد ما لا يستقل به اتفاقا ، وأمّا وصف الحرمة ، فلو سلم أنه ليس بإيجاده لم يفد كيف ، وقد ثبت بالقاطع العقل والنقل أنّ الكل منه وبه وإليه ، نعم لا يوصف الفعل بالصفات الخمس إلّا من حيث قيامه بالمكلف لا من حيث صدوره عنه تعالى ، وهذا أصل نافع وقد ذهب إلى مذهب المعتزلة بعض أهل السنة بناء على أنه لا يملكه لخبثه كما قال النسفي ، وفي أحكام القرآن للجصاص : إطلاق اسم الرزق إنما يتناول المباح دون المحظور ، وما اغتصب وأخذ بالظلم لم يجعله اللّه رزقا له لأنه لو كان رزقا جاز إنفاقه ، والتصدّق والتقرّب به إليه تعالى ، ولا خلاف بين المسلمين في أنّ الغاصب محظور
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 351 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي