تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
أقامت غزالة سوق الضراب * لأهل العراقين حولا قميطا
شرح
الآية : 9 ] من قامت السوق إذا نفقت إلخ ونفاق السوق رواج ما فيها من الأمتعة ، وكثرة الطلاب فيها يقال نفقت السلعة والمرأة نفاقا بالفتح كثر طلابها وخطابها كما بين في كتب اللغة ، وهذا المعنى كما في بعض الحواشي يحتمل أن يكون معنى أصليا في اللغة ، وأن يكون من قام العود تشبيها للنفاق بالانتصاب في حسن الحال والظهور ، وقال الطيبي : إنها في هذا الوجه كناية تلويحية عبر عن الدوام بالإقامة ، فإنّ إقامة الصلاة بمعنى تعديل أركانها وحفظها من الزيغ مشعر بكونها مرغوبا فيها ، وإضاعتها في تعطيلها تدلّ على ابتذالها كالسوق إذا شوهدت قائمة دلت على نفاق سلعتها ونفاقها يدلّ على توجه الرغبات إليها ، وتوجه الرغبات يستدعي الاستدامة بخلافها إذا لم تكن قائمة ، فالمراد بقوله من قامت السوق أنه من بابه فهو مثله لا منقول منه ، وردّ بأنه مخالف لصريح لفظه ولا يبقى حينئذ للاستشهاد بالبيت معنى ، لأنّ إقامة الصلاة بمعنى التعديل إذا صارت شائعة جاز أن تجعل كناية كيف والكلام فيه ، وقال قدّس سرّه : نفاق السوق كانتصاب الشخص في حسن الحال ، والظهور التام فاستعمل القيام فيه والإقامة في إنفاقها أي جعلها نافقة ، ثم استعيرت منه للمداومة على الشيء ، فإنّ كلا من الإنفاق والمداومة يجعل متعلقه مرغوبا متنافسا فيه متوجها إليه ، وقد أورد عليه أنّ هذه المشابهة خفية جدّا ، وأيضا الأصل أعني أقام السوق مجاز فالتجوّز منه ضعيف ، ودفع الأوّل بالحمل على المجاز المرسل بعلاقة اللزوم فإنّ الإنفاق يستلزم المداومة عادة ، وأنت تعلم أنّ هذا الحمل على تقدير صحته خلاف ما في الكتاب والثاني بأنه صار بمنزلة الحقيقة ا ه وقيل في دفع الأوّل أيضا : بأنّ في ذلك الخفاء دقة لا تفضي إلى التعقيد المعنويّ بل تجعله غير عامي مبتذل للطفه حتى لا يقف عليه إلّا الخواص ، وهذا موجب للمدح لا مقتض للقدح ، فإن قلت : إذا كان بمعنى المداومة والمحافظة والمواظبة ينبغي أن يتعدّى بعلى لأنها تتعدّى بها ، كما قال تعالى :الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ[ سورة المعارج ، الآية : 23 ] قلت إذا تجوّز بلفظ عن بمعنى آخر ، وكان عملهما في الحرف الذي تعدّيا به مختلفا يجوز فيه إعماله عمل لفظ الحقيقة ، وعمل لفظ المجاز ويكون ذلك كالتجريد والترشيح ألا ترى أن نطقت الحال بكذا بمعنى دلت وتعدّيه بعلى ، وسيأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى . قوله : ( أقامت غزالة إلخ ) غزالة علم امرأة شبيب الخارجي الذي قتله الحجاج ، وهي من شجعان النساء لما قتل زوجها خرجت بعسكر على الحجاج تطلب دمه ، وحاربته سنة كاملة وهجمت عليه ، فهرب فصلت في جامعه صلاة الصبح بسورة البقرة إظهارا لامتهانه ، وقصتها مشهورة كما في كامل المبرد وإليها يشير القائل يهجو الحجاج :أسد عليّ وفي الحروب نعامة * فتخاء تنفر من صفير الصافرهلا برزت إلى غزالة في الوغى * إذ كان قلبك في جناحي طائروهذا البيت من قصيدة طويلة من بحر المتقارب ، لأيمن بن خريم الأنصاري أوّلها :أبى الجبناء من أهل العراق * على اللّه والناس إلّا سقوطا