وهو المعني بقوله تعالى :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ
وقسم نصب عليه دليل كالصانع وصفاته واليوم الآخر وأحواله ، وهو المراد به في هذه الآية هذا إذا جعلته صلة للإيمان وأوقعته موقع المفعول به ، وإن جعلته خالا على تقدير ملتبسين بالغيب كان بمعنى
شرح
الأوّلي للعقل وإدخال الضروريات التي لا يدركها الحس ، وفيها خفاء في الغيب لا محذور فيه بل هو أمر مستحسن . قوله : ( وهو المعني بقوله تعالى إلخ ) قيل : إنه جعل كون مفاتح الغيب عنده كناية عن اختصاص غيب لا دليل عليه به تعالى ، وهو مبني على أن المفاتح جمع مفتح بالكسر بمعنى مفتاح أمّا إذا كان جمع مفتح بالفتح ، وفسرت بالمخازن ، فلا حاجة لادّعاء الكناية لأن قوله لا يعلمها إلّا هو صريح في ذلك الاختصاص ، وسيأتي بيانه في تفسير هذه الآية ، والمراد بهذا كل ما استأثر اللّه بعلمه . قوله : ( وقسم نصب إلخ ) نصب الدليل وإقامته عبارة عن بيانه على الوجه المعروف ، وهو مجاز في الأصل صار حقيقة اصطلاحية فيه .
وقوله : ( كالصانع ) أي كإثبات وجود الصانع وهو اللّه عزّ وجل ، وإطلاقه على اللّه تعالى ورد في حديث مسند وهو « إنّ اللّه صانع كل صانع وصنعته » « 1 » فلا حاجة لقول السبكي جواز إطلاقه لوروده في قوله تعالى :صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ[ سورة النمل ، الآية : 88 ] فإنه إنما يتمشى على رأي من يكتفي بورود المادّة ولا حاجة إليه وما ورد إطلاقه على اللّه وثبت بإخبار الآحاد يجوز تسميته به على خلاف فيه في شروح الصحيحين وقوله وهو المراد إلخ فالغيب الذي آمنوا به اللّه وصفاته وما يجب اعتقاده ، فإن قلت على هذا يشمل الغيب اللّه ، ويطلق عليه ضمنا والغيب والغائب ما يجوز عليه الحضور والغيبة وإطلاق المتكلمين في قولهم قياس الغائب على الشاهد لا يصح سندا له .
قلت : السلف مطبقون على تفسيرها بما ذكر ، وليس فيها إطلاقه عليه بخصوصه فليس هذا من قبيل التسمية ، وفي بعض الحواشي فرق بعض أهل العلم بين الغيب والغائب فيقولون اللّه غيب وليس بغائب ويعنون بالغائب ما لا يراك ولا تراه ، وبالغيب ما لا تراه أنت فتدبره .
قوله : ( هذا إذا جعلته إلخ ) الصلة في اصطلاح النحاة صلة الموصول والمفعول به بواسطة الحرف ، وتطلق على الزائد كما مرّ فقوله وأوقعته إلخ تفسير له بالثاني لأنه المقصود ، وهذا إشارة إلى المراد أي كون المراد بالغيب القسم الثاني من الخفيّ المذكور على هذا التقدير لا إلى كونه بمعنى الغائب ، أو الخفيّ على التقديرين كما قيل ، لأنّ القسم الأوّل ليس مما يلزم الإيمان به إلّا إجمالا بأن يعتقد غيبا لا يعلمه إلّا اللّه فتأمّل . قوله : ( وإن جعلته حالا إلخ ) فالإيمان على الأوّل مضمن معنى الإقرار والاعتراف أو مجاز عن الوثوق ، ومعنى الغيبة صفة للمؤمن به أي يؤمنون بما هو غائب عنهم ، وعلى هذا هو بمعنى التصديق بلا تضمين ولا تجوّز والغيبة صفة للمؤمنين والمؤمن به محذوف للتعميم والمبالغة أي يؤمنون بجميع ما يؤمن به في
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .