مجرّد التصديق بالقلب هل هو كاف لأنه المقصود أم لا بدّ من انضمام الإقرار به للمتمكن منه ، ولعل الحق هو الثاني لأنّ اللّه تعالى ذمّ المعاند أكثر من ذمّ الجاهل المقصر وللمانع أن يجعل الذمّ للإنكار لا لعدم الإقرار للمتمكن منه ، والغيب مصدر وصف به للمبالغة كالشهادة في قوله تعالى
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
[ سورة الأنعام ، الآية : 73 ] والعرب تسمي
شرح
قوله مع ما فيه أيضا أي يدلّ على مجرّد التصديق ما ذكر مقرونا بما فيه إلخ والوفاق المذكور بيننا وبين المعتزلة ، والقصر إضافي ناظر لإرادة المجموع لا حقيقيّ والتعين بالنسبة إلى المعنى الشرعيّ ، فلا يرد عليه ما مرّ من قوله وكلا الوجهين حسن في يؤمنون بالغيب لتعدّي وثق بالباء أيضا ، وقد قيل إنه إنما يتم لو تعين أنّ الباء للتعدية وسيجيء أنّ فيها احتمالات أخر مع أنه على التضمين يتعدّى بالباء لتقديره بمعترفين بالغيب كما مرّ ، وأيضا ظاهر عبارته أنه يراد التصديق على أنه معنى شرعيّ كما بينا لك ، وليس كذلك لقول الإمام أجمعنا على أنّ الإيمان المعدّى بالباء يجري على طريقة أصل اللغة أمّا إذا ذكر مطلقا غير معدّي ، فقد اتفقوا على أنه منقول عن المسمى اللغوي ، وهو التصديق إلى معنى آخر والجواب أنّ التعدية هي الأصل المتبادر ، ولذا قدّمها المصنّف فيما سيأتي فلا يلتفت لما يخالفها ، وما ذكر الإمام مخالف للجمهور وليس مما يعوّل عليه فعليك بالتتبع والنظر السديد إن أردت أن تميط لثام الشبه ، ومن الناس من قال : إنّ الضمير في قول المصنف ، وهو متعين راجع إلى الأصل فهو عين كلام الإمام وبنى على ما فهمه ما تركه خير من ذكره . قوله : ( ثم اختلف في أنّ مجرد التصديق إلخ ) هذا مترتب على أنه التصديق وحده الدال عليه قوله والذي يدلّ إلخ أي اختلف القائلون بأنّ حقيقته التصديق لا غير هل يكفي ذلك التصديق وحده في كونه مؤمنا ، فإنه حقيقته الموضوع لها لفظه أو يشترط له شرط خارج عن مسماه ، وهو الإقرار بالنطق بكلمة الشهادة للتمكن منها كما مرّ تحقيقه ، وإنّ المعتبر منه حقيقة ذلك أو ما هو في حكمه كإشارة الأخرس وليس الخلاف في الحكم بإيمانه ظاهرا ، وإجراء أحكام الإسلام بل في كونه كذلك في الآخرة ناجيا من العذاب المخلد كما أنّ المصرّ على عدم الإقرار مع طلبه بلا مانع منه كافر اتفاقا كما مرّ ، ولم يجزم المصنّف رحمه اللّه باشتراطه إذ قال ولعل إلخ لتعارض الأدلة كما مرّ ، وبما ذكر من كون الاختلاف في الشرط الخارج عن ماهيته علم أنه مذهب آخر فلا يصح تفريعه على ما قبله . وقوله : ( لا بدّ من انضمام الإقرار ) ينافي قوله وحده ، والتمكن القدرة يقال مكنته وأمكنته من الأمر ، فتمكن واستمكن إذا قدر ، والمعاند هو الذي عرفه وصدّق به وامتنع من الإقرار به ، والتشنيع عليه وقع في آيات كثيرة كقوله تعالى :وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ[ سورة النمل ، الآية : 14 ] والجاهل هو الذي لا يعرف ذلك لقصوره وتقصيره في النظر الصحيح .
وقوله : ( للإنكار ) أي لكون سكوته عن الإقرار مع تمكنه ومطالبته به دليل الإنكار القلبيّ وعدم التصديق به ، فيؤل لما ذكر فتدبر . قوله : ( والغيب مصدر وصف به إلخ ) أي أقيم مقام الوصف ، وهو غائب للمبالغة بجعله كأنه هو وقيل إنه بمعنى المغيب ، فأطلق المصدر وأريد به