باسم التقوى في الشرع ، والمعنى بقوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا
والثالثة أن يتنزه عما يشغل سرّه عن الحق ويتبتل إليه بشرا شره ، وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى إلى
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
[ سورة آل عمران ، الآية : 102 ] وقد فسر المتقون ههنا
شرح
اجتنابها غير معتبر في مفهوم التقوى لا لما مرّ قبيله فإنه رأي المعتزلة بل لأنها لا تنافي التقوى ومرتكبها لا يخرج عن زمرة المتقين وإلّا لخرج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لعدم عصمتهم عنها عند الجمهور ولأنه قلما يخلو عنها أحد متق والحديث محمول على أكمل المراتب ، وهي المرتبة الثالثة ، وما زعمه من أنه مذهب المعتزلة ليس كذلك فإنه عليه كثير من المحدّثين ، وأهل السنة ، ولا وجه لتردّده في صحة الحديث مع رواية الترمذي له ، وورود ما يعضده مما هو بمعناه في الأحاديث الصحيحة . وقوله : ( والمعنيّ إلخ ) المعنيّ بكسر النون وتشديد الياء اسم مفعول أي المقصود لأنّ عطف اتقوا على آمنوا يؤذن بأنّ المراد بالتقوى فيه الإتيان بالأعمال الصالحة وتجنب المعاصي . قوله : ( أن يتنزه عما يشغل سرّه إلخ ) أي يبعد نفسه عن ذلك ، لأن أصل معنى التنزه البعد كما حقق في اللغة ، ويشغل سرّه بمعنى يلهيه يقال شغله الأمر شغلا من باب نفع ، والاسم منه الشغل بالضم وشغلت به أي تلهيت ، والسرّ الحديث المكتوم في النفس قال تعالى :يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ[ سورة التوبة ، الآية : 78 ] والمراد به محله من القلب أو الفكر ، والحق الظاهر أن المراد به هنا اللّه تعالى . قال الراغب : الحق الموجد للشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة ، ولذلك قيل في اللّه تعالى هو الحق ، ويجوز أن يراد به معناه المعروف إلّا أنّ المناسب للتبتل هو الأوّل لأنه الانقطاع إلى اللّه تعالى بالعبادة ، وإخلاص النية انقطاعا يختص باللّه لأنّ معنى البتل القطع كالبت . قوله : ( بشراشره ) أي ينقطع إليه بكليته ونفسه قال صاحب القاموس في شرح الديباجة : الشراشر الأثقال الواحدة شرشرة يقال : ألقى عليه شرا شره أي نفسه حرصا ومحبة وشراشر الذنب ذباذبه ، وقد مرّ الكلام فيه مفصلا في آخر شرح الديباجة . قوله : ( وهو التقوى الحقيقي إلخ ) ليس المراد بالحقيقي مقابل المجازي ، بل هو مبالغة في الحقيق كدواريّ أي الأحق بتسميته تقوى ، لأنه تقوى خواص الخواص ، وإنما فسّر هذه الآية به لأن مقتضى النظم المبالغة في التقوى ، كما في حق اليقين والأمر فيه للندب لا للوجوب حينئذ ، لأنه يلزم أن يأثم كثير من المؤمنين بل هو للحث على تكميل النفس وقطع المراتب ومثله كثير ، ولا ينافيه تفسير المصنّف رحمه اللّه هذه الآية بقوله :حَقَّ تُقاتِهِحق تقواه وما يجب منها ، وهو استفراغ الوسع في القيام بالمواجب ، والاجتناب عن المحارم وقيل إنها منسوخة بقوله تعالى :فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[ سورة التغابن ، الآية : 16 ]
هامش
والبيهقي 5 / 335 والقضاعي 909 و 911 من حديث عطية السعدي وكانت له صحبة .
وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي مع أن في إسناده عبد اللّه بن يزيد الدمشقي ، وهو ضعيف كما في التقريب .