الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً
[ سورة الإسراء ، الآية : 82 ] ولا يقدح ما فيه من المجمل والمتشابه في كونه هدى لما لم ينفك عن بيان تعيين المراد منه ، والمتقي اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى ، والوقاية فرط الصيانة ، وهو في عرف الشرع
شرح
ولم يقل كالدواء لأنّ الغذاء الحافظ للصحة دواء أيضا ، ويزيد عليه أنه يلزم دائما ، كالهداية بخلاف الدواء ، فإنه يكون أحيانا للضرورة ، فلا يقال الظاهر أن يقول دواء ليطابق ذكر الشفاء في الآية ، وسمي شفاء لأنه يشفي من مرض الجهل والعلم يسمى حياة وشفاء ، وليس المراد أنه يستشفى به في الرقى ، كما توهم فالكتاب لا يجلب نفعا ما لم يكن الإيمان باللّه ورسله حاصلا . قوله : ( قوله تعالى :وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌالآية [ سورة الإسراء ، الآية : 82 ] ) من بيانية مبينة لما لجوار تقدّمها على المبين على ما بين في النحو لا تبعيضية على أنّ المعنى أن منه ما يستشفى به كالفاتحة ، وآيات الشفاء ، لأنه غير مناسب للسياق إذ المراد أنه شفاء من مرض الجهل والضلال في الدنيا ، كما هو رحمة في الآخرة أو في الدارين ، وخص الشفاء بالمؤمنين ، كما خص الهدى بالمتقين هنا والمراد بالظالمين الكفرة لقوله :إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[ سورة لقمان ، الآية : 13 ] والخسار لتكذيبهم به ، وعدم قبولهم لما جاء به كالمريض الذي لا يفيده العلاج وربما كان الدواء زيادة في الداء . قيل فالوجه الثاني هو المختار إذ على الأوّل لا يحسن جعل الذين يؤمنون صفة ، ولا مخصوصا بالمدح رفعا ونصبا ، ولا استئنافا لأنّ الضالين الصائرين إلى التقوى ليسوا متصفين بشيء مما ذكر وحمل الكلي على الاستقبال ، والمشارفة يأباه سياق الكلام وفيه نظر . قوله : ( ولا يقدح ما فيه إلخ ) القدح الطعن من قدح الزناد ، وهو ضرب بعضه ببعض والمراد به الاعتراض ، وهذا جواب عن سؤال تقديره كيف يكون الكتاب هدى ودالا ، وفيه ما لا يفهم من المجمل والمتشابه ، كما قاله الإمام وأجاب عنه بما ذكره المصنّف ، وهو على مذهب الشافعية القائلين بأنّ المتشابه يعلمه غير اللّه من الراسخين في العلم ، كما سيأتي في سورة آل عمران ، وأمّا عند غيرهم ، فينبغي أن يقال :
إنه لا يستلزم كونه هدى هدايته باعتبار كل جزء منه ، وإنما ذكر فيه ذلك ابتلاء لذوي الألباب بما لا تصل إليه العقول ، ولما لم يخل عند المصنّف من مبين يعين المراد منه كان بعد التبيين فيه هدى ودلالة ، وتوقف هدايته على شيء لا يضر فيها ، كما أنه على رأي متوقف على تقدّم الإيمان باللّه ورسله ، ومن هنا عرف وجه تأخير ما هنا لتوقفه على ما قبله وارتباطه به ، والمعين العقل أو السمع كما صرّحوا به ، فسقط ما قيل إذا بين ذلك المراد منه لم يكن هدى في نفسه ، وإنما يكون كذلك لو أفاد ابتداء ما يفيده الكتاب . وقوله : ( لما لم إلخ ) بكسر اللام الجارّة وتخفيف الميم من ما المصدرية أي لعدم انفكاكه إلخ ويجوز فتح اللام مع تشديد الميم إلّا أنّ قوله لا يقدح ينبو عنه في الجملة . قوله : ( والمتقي إلخ ) أي هو اسم فاعل اتقى مطاوع وقي أبدلت واوه تاء على القاعدة المعروفة ، وما ذكر مذهب الزمخشريّ ، وخالفه في لباب التفاسير والدرّ المصون ، وهو ظاهر كلام أهل اللغة لأنّ الافتعال له معان : منها الإيجاد قالوا ومنه