اسم لمن يقي نفسه عما يضرّه في الآخرة وله ثلاث مراتب الأولى التوقي عن العذاب المخلد بالتبرّي عن الشرك ، وعليه قوله تعالى :
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى
[ سورة الفتح ، الآية :
26 ] والثانية التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم ، وهو المتعارف
شرح
اتقى ، وقد بيّن معناه لغة وشرعا ، وذكر له مراتب وأراد بالشرك مطلق الكفر ، وهو شائع فيه حتى صار كأنه حقيقة ، فلا يقال حقه أن يبدل الشرك بالكفر ، ولا إلى الجواب بأنّ المراد هذا وما في حكمه مما يوجب العذاب المخلد من وجوه الكفر . وقوله : ( والوقاية إلخ ) مثلث الواو والفرط بفتح الفاء وسكون الراء المهملة والطاء المهملة بمعنى الزيادة والمبالغة لأنه يكون بمعنى مجاوزة الحدّ كما في القاموس وفيما قاله شيء ، لأن المذكور في كتب اللغة تفسيرها بالحفظ والصيانة ، وما ذكره من الزيادة زيادة كأنه أخذها من المادّة وما قاله بعض الفضلاء من أن ما ذكره المصنّف لا يوجد في شيء من كتب اللغة المشهورة لا وجه له . وقوله : ( في عرف الشرع ) أي نقلت لصيانة مخصوصة لها مراتب والمعنى اللغوي شامل لها كما لا يخفى ، وإن لم يكن ذلك لازما . وقوله : ( بقي نفسه ) في بعض النسخ يتقي عما إلخ بالتاء ، وبإسقاط لفظ نفسه وما ذكره بيان للمتقي ، ويعلم منه التقوى . قوله : ( التجنب عن كل ما يؤثم ) التجنب الترك والاحتراز ، وأصل معناه الأخذ في جانب غير الجانب الذي هو فيه ويؤثم تفعيل من الإثم أي يوجب استحقاق الإثم أو يوقع فيه . وقوله : ( من فعل أو ترك ) لأنّ ما به حصول الإثم عام يتناولهما معا ، ولذا قيل إنّ حق العبارة وترك بالعطف بالواو وترك أو ، وقد أجيب عنه بأنه مطلق مفسر بأحدهما لكنه وقع بعد ما يتضمن النفي فيفيد الاستغراق كأنه قيل : لا يفعل ما يؤثم من فعل أو ترك أي لا يفعل واحدا منهما كما في قوله :لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً[ سورة الإنسان ، الآية : 24 ] وسيأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى في محله ، والمراد بكلمة التقوى في قوله تعالى :وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى[ سورة الفتح ، الآية : 26 ] كلمة التوحيد ، وهي لا إله إلّا اللّه ، وسيأتي بيانها ، وكون التقوى فيها بمعنى الإيمان ظاهر . قوله : ( حتى الصغائر ) في كون اجتناب الصغائر مشروطا في وجود التقوى وتحققها قولان فإذا لم يجتنبها هل يقال له متق أم لا ، والكلام فيما إذا لم يصرّ عليها وتغلب على حسناته ، كما ذكره الفقهاء في كتاب الشهادة ، وقالوا : إنه حينئذ تسقط العدالة ، وقيل : إنّ هذا الاختلاف مبني على أن ما يستحق العقوبة بسببه هل يتناول الصغائر أم لا ، فمن ذهب إلى تناولها قال احتياجها للتكفير دلّ على أنها سبب لاستحقاق العقوبة ، ومن اختار عدمه تمسك بأنها وقعت مكفرة فلم يظهر للاستحقاق بها أثر ، فكأنه لا استحقاق فلا تندرج فيما يستحق به العقوبة عند الإطلاق ، وقيل : إن فرط الصيانة مقتض لاجتناب الصغائر وكذا حديث : « لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس » « 1 » إن صح وفي كلام المصنّف رحمه اللّه تعالى إشارة إلى أنّ المختار أنّ
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 2568 وابن ماجة 4115 والحاكم 4 / 319 والطبراني في الكبير 17 / 446