تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
الصحة ، فإنه لا يجلب نفعا ما لم تكن الصحة حاصلة ، وعلى هذا قوله تعالى :
وَنُنَزِّلُ مِنَ
شرح
إيصال القرآن ليس إلّا للمتقين ثم قال كل ما يتوقف صحة كون القرآن حجة على صحته لا يكون القرآن هدى فيه كمعرفة ذات اللّه وصفاته ومعرفة النبوّة فليس من شرط كونه هدى أن يكون هدى في كل شيء بل يكفي فيه أن يكون هدى في بعض الأشياء كتعريف الشرائع ، أو يكون هدى في تأكيد ما في العقول وهذا أقوى دليل على أنّ المطلق لا يقتضي العموم ، فإنه تعالى وصفه بكونه هدى من غير تقييد لفظا مع استحالة أن يكون هدى في إثبات الصانع وصفاته ، وإثبات النبوّة فثبت أنّ المطلق لا يفيد العموم اه ومنه أخذ المصنّف رحمه اللّه ما هنا برمّته ، فمعنى الجواب الأوّل أنّ الهداية مطلق الدلالة ، وهي لا تختص بالمتقين وإنما خصوا بالذكر ، لأنهم أكمل الافراد وأشرفهم إذ هم المنتفعون بالدلالة وثمرة الإيصال لا أنها مختصة بهم فهي هنا على الحقيقة وكذا التقوى حقيقة في المرتبة الثانية ومعنى الثاني أنّ المراد بهداية القرآن أيضا دلالته حقيقة ، والتقوى حقيقة بمعنى التبري عن الشرك في المرتبة الأولى ، ودلالة القرآن أي كونه دليلا على ما فيه لا يكون إلّا بعد الإيمان باللّه ورسله وبما جاؤوا به عليهم الصلاة والسلام بناء على ما ذهب إليه الماتريدية وبعض الأشعرية من أنّ ثبوت الشرع موقوف على الإيمان بوجود الباري وعلمه وقدرته ، وكلامه وعلى التصديق بنبوّة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بدلالة معجزاته ، ولو توقف شيء من هذه الأحكام على الشرع لزم الدور كما قرّر في الأصلين ، فذكر المتقين على المعنى الثاني لأنّ دلالة القرآن موقوفة على التقوى بهذا المعنى ، لأنها إنما تثبت بالعقل على المشهور ، والانتفاع المذكور في كلام المصنّف أوّلا الانتفاع بالهداية ، وهو الاهتداء والانتفاع الثاني الانتفاع بالقرآن ، وما فيه من الدلالة بعد وجود ما يتوقف عليه من التصديق ، وهم توهموا الانتفاعين بمعنى فخبطوا خبط عشواء فلذا عطفه بأو وأخره لأنه خلاف المشهور عن الأشاعرة كما سيأتي ، وبهذا ظهر أنّ ما قيل : إنّ المعنى أنه مرشد للمؤمنين منتفعون به في تحصيل سائر مراتب التقوى ليس له وجه فظهر وجه التخصيص وعلم فائدة التعلق كما مرّ ، ويتبين بطلان ما قيل أنّ تقرير الثاني أنّ المراد به التثبت على ما كان حاصلا من التقوى فيختص بهم ، ولا يتخطاهم وإنّ الحاصل أنّ الهدى حقيقة على الجواب الأوّل ، ومجاز على الجواب الثاني ولا حاصل له ولا طائل وقيل : إنّ الثاني فيه المتقي مجاز بمعنى العاقل المتدبر المشارف لها لأنها جلاء عقله عن صدإ الغفلة ، والفساد فانطبع فيها الأدلة السمعية وقيل حاصل الأوّل إن اختصاصه بالمتقين لاختصاصهم بالاهتداء والانتفاع بالقرآن ، وحاصل الثاني أن الاختصاص بهم ، لأجل أن العلم بأسرار الآيات ودقائقها والاستدلال على صفات الصانع وآثاره كما ينبغي يختص بالمتقين وقد عرفت حقيقة الحال المغنية عن القيل والقال . قوله : ( لأنه كالغذاء إلخ ) كما قال أبقراط : البدن الغير التقيّ ، كلما غذوته إنما تزيده شرّا ومنه أخذ المتنبي قوله :إذا أنت أكرمت الكريم ملكته * وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا