وإن كانت دلالته عامة لكل ناظر من مسلم أو كافر ، وبهذا الاعتبار قال تعالى :
هُدىً لِلنَّاسِ
[ سورة البقرة ، الآية : 185 ] أو لأنه لا ينتفع بالتأمّل فيه إلا من صقل العقل ، واستعمله
شرح
تتصوّر فيه لو أريدت ، فالمراد بالمتقين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو صحيح ويراد حينئذ من التقوى المرتبة الثالثة ، لكنه غير مناسب ومنه يعلم أنّ التقوى بالمعنى الثالث غير مرادة ، فبقي من الهداية قسمان نصب مطلق الدلائل ، أو السمعي منها وهما يحصلان بالقرآن ومن الهداية قسمان تجنب الشرك وتجنب الآثام ، فالصور الباقية أربع ، وكلام المصنّف رحمه اللّه في هذا الوجه محتمل لها والمعنى لا ينتفع بالدلائل مطلقا ، أو الدلائل القرآنية إلّا المسلمون ، أو إلّا المجتنبون للمعاصي لعلمهم بما ظهر منها ، والأولى أوفق بكلامه ، ولا مجاز في النظم على هذا كما توهم . قوله : ( بنصبه ) قيل هو بضمتين كل ما جعل علامة كما في القاموس ، وليس جمعا هنا وإن كان في غير هذا المحل يكون جمعا لنصاب بمعنى الأصل ، وقيل : إنه بفتح النون وسكون الصاد المهملة والباء الموحدة مصدر والمعنى نصب اللّه تعالى إياه دليلا على ذلك لهم دون غيرهم ، وفي بعض النسخ بنصه على أنه واحد النصوص ، وعليه اقتصر بعض أرباب الحواشي ، وقال في تفسيره : أي بنص من نصوصه وآية من آياته وليس هذا بتحريف كما قيل ، فإنه أقرب مما قالوه نعم هو المناسب للمقام كما سيأتي ، وهو الحامل للقائل على ادعاء تحريفه قيل : وهنا نكتة لأنه يؤخذ من قولههُدىً لِلْمُتَّقِينَوقوله :هُدىً لِلنَّاسِ[ سورة البقرة ، الآية : 185 ] أنّ المتقين هم الناس كما قال :وما الناس إلّا أنتمو لا سواكمو( وههنا بحث ) وهو أنه إذا حكم على الوصف بضدّه وما يقتضي زوال معناه سواء كان ذلك حمليا كبلغ اليتيم ، أو شرطيا كأعط اليتيم ما له إذا بلغ وإذا شفي المريض عرف قيمة العافية ، فالوصف ليس متصفا بمعناه حال تعلّق ذلك الحكم به ، فهل هو حقيقة أو مجاز ، والظاهر أنه حقيقة إمّا لأنّ اتصافه بمعناه لما لاصق الاتصاف بضدّه ، وقرب منه كان زمانهما في حكم زمان واحد ، فيراد اتصافه في زمان الحكم حقيقة أو حكما ، أو لأنه يعتبر الزمانان المتلاصقان زمانا واحدا ممتدّا اتصف بهما على التعاقب فيه فالحقيقة بالنظر إلى أوّله ، والحكم ناظر إلى جزئه الأخير ، والظاهر أنّ هذا لا محيد عنه ، كما سيأتي في أوّل سورة النساء فيآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ[ سورة النساء ، الآية : 2 ] حيث جعله المصنّف رحمه اللّه حقيقة بالنظر إلى أصل اللغة ، أو بتقدير إذا بلغوا وهو لا يخالف ما في التلويح كما قيل لأنّ كلام المصنّف مبنيّ على تقدير الشرط بقرينة الآية الأخرىفَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً[ سورة النساء ، الآية : 6 ] وما في التلويح مبنيّ على إرادة معنى ذلك من غير تصريح ، ولا تقدير . وقوله : ( وإن كانت دلالته عامة ) أي على المختار عنده ، وكذا قوله وبهذا الاعتبار ، فلا منافاة بين قوله هناهُدىً لِلْمُتَّقِينَوقوله في أخرى :شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ[ سورة البقرة ، الآية : 185 ] فلا حاجة لتخصيص الناس فيه . قوله : ( أو لأنه لا ينتفع بالتأمّل فيه إلخ ) التأمّل