تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
شرح
الْمُسْتَقِيمَ[ سورة الفاتحة ، الآية : 6 ] ووجه آخر ، وهو أنه سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين كقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قتل قتيلا فله سلبه » ، ولم يقل الضالين لأنهم فريقان فريق علم بقاؤه على ضلاله ولا يهتدي وما ليس كذلك حق التعبير عنه الصائرين إلى التقوى ، فاختصر ليكون سلما لتصدير أولى الزهراوين التي هي سنام القرآن بذكر المرتضى من عباده ، وقال قدّس سرّه : لا بدّ من أحد أمرين إمّا أن يراد بالهدي زيادة الهدي إلى مطالب أخر غير حاصلة والتثبيت على ما كان حاصلا ، كما في اهدنا أو يراد بالمتقين المشارفون للتقوى والأوّل مختاره فإن قلت قد ثبت أنّ الهدي في التثبيت مجاز قطعا ، وفي الزيادة إمّا مجاز ، أو حقيقة فكيف جمع بينهما قلت أراد أنّ اللفظ مستعمل في الزيادة فقط والتثبيت لازم له تبعا لا يقال تأويل نحو أعزك اللّه لازم لأنه طلب مختص بالاستقبال ، فلو لم يؤول كان تحصيل الحاصل بخلافهُدىً لِلْمُتَّقِينَإذ يجوز أن يكون معناه هدى للمتقين المهديين بذلك الهدى ، كما في السلاح عصمة للمعتصم أي سبب لها إذ لم يفهم منه أن هناك عصمة أخرى مغايرة لما كان معتصما به ، لأنا نقول إذا عبرت عن شيء بما فيه معنى الوصفية ، وعلقت به معنى مصدريا مطلقا فهم منه في عرف اللغة أنّ ذلك الشيء موصوف بتلك الصفة حال تعلق ذلك المعنى به لا بسببه ، فإذا قلت ضربت مضروبا فهم منه أنه موصوف بالمضروبية بضرب آخر حال تعلق ضربك به لا بسبب ضربك إياه ، فأخذت مضروبيته على أنها صفة مقرّرة له وإن لم يضرب ، فإذا أردت أنه مضروب بضربك هذا كان مخالفا للظاهر مجازا باعتبار الأوّل ، فقولك هدي لزيد أو للضالّ وإضلال لبكر ، أو للمهتدي جار على ظاهره بخلاف هدى للمتقين وإضلال للضالّ ، وحديث العصمة لا يجدي إذ لم يرد معناها المصدري المتضمن للحدوث بل الحاصل بالمصدر ، وهو معنى مستقرّ ثابت يضاف للمعتصم فإن أريد المعنى المصدري احتيج لأحد التأويلين ، وما يتوهم من أنّ متعلقات الأفعال ، وأطراف النسب حقها على الإطلاق أن يعبر عنها بما يستحق التعبير به حال التعلّق والنسبة لا حال الحكم بالنسبة حتى لو خولف ذلك كان مجازا منظورا فيه ، لأنّ قولك عصرت هذا الخل في السنة الماضية مشيرا إلى خل بين يديك لا مجاز فيه مع أنه لم يكن خلا زمان العصر ، وقولك سأشرب هذا الخل مشيرا إلى عصير عندك مجاز باعتبار المآل ، وإن كان خلا حال الشرب ، فالواجب في ذلك كما قال قدّس سرّه أن ترجع إلى وضع الكلام ، وطريقته فإنه كثيرا ما يعتبر زمان النسبة ، كما في الأمثلة المتقدّمة ، وربما يعتبر زمان إثباتها كما في هذين المثالين ، ثم المجاز باعتبار المآل قد يكون بطريق المشارفة ، كما في « من قتل قتيلا » فإنه قتيل حقيقة عقيب تعلق القتل به بلا تراخ كما في تمريض المريض ، وقد يكون بطريق الصيرورة مجرّدة عن المشارفة ، كما في قوله :وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً[ سورة نوح ، الآية : 27 ] فإنّ الاتصاف بالفجور والكفر متراخ عن الولادة .
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 300 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي