لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ سورة سباء ، الآية : 24 ] ولأنه لا يقال : مهديّ إلا لمن
شرح
معها تعلق التحصيل والتأثير كما هو الواقع في جميع تاء المطاوعة ، ولم يريدوا أنّ النسبتين واحدة لأنهما بالضرورة متغايرتان ، ففي كل طرف غير ما في الطرف الآخر ، ولكن متعلقهما صفة واحدة قائمة بطرف واحد فلا يرد عليه شيء .
( الثالث ) إنّ القول بفساد الجواب لاستدراك المقابلة ، ولأنّ التمسك بالمطاوعة وجه مستقلّ مدفوع بأنهما متغايران بالاعتبار ، فإنّ مقابلة الضلال المعتبر فيه عدم الوصول تدل على اعتبار الوصول في الهدي أخذا من مقابله وضدّه :وبضدّها تتبين الأشياءوالمطاوعة الدالة على الوصول تدلّ على اعتباره فيه باعتبار أنه لازم له لا ينفك عنه ، فالفرق مثل الصبح ظاهر . قوله : ( ولأنه لا يقال مهديّ إلخ ) وفي الكشاف : ويقال : مهديّ في موضع المدح كمهتد ، ولا يمدح إلّا بالوصول إلى الكمال ، واعترض بأنّ التمكن من الوصول أيضا فضيلة يصح أن يمدح بها ، وبأنّ المهدي فيما ذكر أريد به المنتفع بالهدي مجازا ، ودفع الأوّل بأنّ التمكن مع عدم الوصول نقيصة يذمّ بها كما قيل :ولم أر في عيوب الناس عيبا * كنقص القادرين على التماموالثاني بأنّ الأصل في الإطلاق الحقيقة ، كما حققه قدّس سرّه ، والمراد بقول الزمخشريّ في موضع المدح أنها صفة مادحة وضعا ، وإنما يتمدّح بها بهذا المعنى فلا يرد عليه أنّ مقام المدح قرينة لذلك ، وإنّ المصنّف لذلك عدل عنه ، فبين كلاميهما مخالفة ، وقيل : عليه إنّ التمكن مع عدم الوصول ليس بنقيصة لمن هو بصدده مجدّ في بلوغه ، وكون الأصل في الإطلاق الحقيقيّ إنما يفيد إذا استعمل بلا قرينة والمدح قرينة ، وقد مرّ ما يعارضه من الآيات ، وما قيل من أنه مجاز عن إفاضة أسباب الاهتداء ، وإزاحة العلل ردّ بأنّ الأصل الحقيقة ، ولولا قرينة المدح والمقابلة لم يتبادر منه إلّا مطلق الدلالة وعليه أكثر أئمة اللغة والتفسير ولا يضرّه مخالفة الزمخشريّ ، فلذا أخره ومرّضه ، وكون المهدي لا يستعمل إلّا بمعنى المهتدي غير مسلّم عندهم .
( بقي هنا دليل ) تركه المصنّف ، وهو إن اهتدى مطاوع هدي ، والمطاوعة حصول الأثر في المفعول بسبب تعلق الفعل المتعدّي به ، فلا يكون المتعدّي مخالفا لأصله إلّا في الأثر والتأثر كما مرّ ، فلو لم يكن في الهدي إيصال لم يكن في الاهتداء وصول ، ونقض بنحو أمرته فلم يأتمر وعلمته فلم يتعلم ، وردّ بأنّ حقيقة الائتمار صيرورته مأمورا ، وهو بهذا المعنى مطاوع للأمر ثم استعمل في الامتثال مجازا وشاع حتى صار حقيقة عرفية وليس مطاوعا بهذا المعنى ، وإن ترتب عليه في الجملة على صورة المطاوعة وأمّا نحو علمته فلم يرد به حقيقته أعني حصلت فيه العلم بل المعنى المجازيّ وهو وجهت إليه ما قد يفضي إلى العلم وليس التعلم