هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
يهديهم إلى الحق والهدى في الأصل مصدر كالسرى والتقي ، ومعناه
شرح
المحدّثون خذ ما تيقنت حله وحسنه ، واترك ما شككت في حله وحسنه ، كما ورد في الحديث الصحيح « اتقوا الشبهات فإنّ من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه » « 1 » ومما هو صريح في ذلك ما روي أنّ وابصة بن معبد رضي اللّه عنه قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « جئت تسأل عن البرّ والإثم » فقال : نعم فجمع أصابعه فضرب بها صدره وقال له : « استفت نفسك يا وابصة ثلاثا ، البرّ مات اطمأنت إليه النفس ، واطمأنّ إليه القلب ، والإثم ما حاك في النفس ، وتردّد في الصدر ، وإن أفتاك الناس وأفتوك » « 2 » فلا وجه لما زعموه من اختصاصه بالأنفس القدسية فتدبر . قوله : ( ومنه ريب الزمان ) أي مما نقل من القلق إلى ما هو سببه من الشدائد وفصله بقوله : ومنه والضمير للريب المتجوّز فيه مطلقا ، لأنه ليس بمعنى الشك وإنما شاركه فإنّ أصله القلق فسمي به ما هو سبب له كما قال الهذلي :أمن المنون وريبه تتوجعوقال الرازي : إنّ هذا قد يرجع إلى معنى الشك ، لأنّ ما يخاف من الحوادث محتمل ، فهو كالمشكوك فيه وكذا ما يختلج بالقلب وفيه نظر ، والنوائب جمع نائبة ، وهي الحادثة من حوادث الدهر خيرا كانت أو شرّا كما في حديث مسلم نوائب الحق وقال لبيد :نوائب من خير وشرّ كلاهما * فلا الخير ممدود ولا الشرّ لازبلكن خصت بما يحدث من الشرّ والمصائب وهو المراد هنا وهو المناسب للقلق . قوله :
( يهديهم إلى الحق ) إشارة إلى أنه مصدر في الأصل ، والمراد به هنا الهادي بأحد الوجوه المعروفة في أمثاله وعبر بالمضارع إشارة إلى الاستمرار التجدّدي ، فإنه وإن كان مما يدلّ عليه غير المضارع إلّا أنّ اسم الفاعل والمفعول يدلان على ذلك في الجملة . وقوله : ( في الأصل ) إشارة إلى أنه هنا ليس المراد به ذلك ، كما عرفته ، وهذا وزن نادر في المصادر لم يرد منه فيما قيل إلّا الهدي والتقى والسري والبكي بالقصر في لغة ، وزاد الشاطبيّ لغي بالضمّ في لغة أيضا ، ولذا قال كالسري إلخ إشارة إلى أنه ليس من أوزان المصادر المطردة المشهورة ، وما قيل من
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 2051 من حديث النعمان بن بشير مطوّلا . لكن بلفظ « . . . من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه » .
وبنحوه أخرجه البخاري أيضا 52 ومسلم 1599 وأبو داود 2329 والترمذي 1205 والنسائي 7 / 241 و 8 / 327 وابن ماجة 3984 وأحمد 4 / 267 و 270 وابن حبان 721 والبيهقي 5 / 264 من حديث النعمان بن بشير .
( 2 ) أخرجه أحمد 4 / 227 و 228 وأبو يعلى 1586 من حديث وابصة بن معبد .
وقال الهيثمي في المجمع 1 / 175 : وفيه أيوب بن عبد اللّه بن مكرز .
قال ابن عدي : لا يتابع على حديثه ، ووثقه ابن حبان اه .
وانظر جامع العلوم والحكم ح 27 .