« دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة » ومنه ريب الزمان لنوائبه
شرح
والظنّ إلّا أنّ المصنفين يفسرون بالأعمّ ونحوه كثيرا من غير مبالاة منهم ومثله تعاريف لفظية مبنية على التسامح . وقوله : ( لأنه ) أي الشك إشارة للعلاقة والطمأنينة السكون ويقابلها القلق وهو الحركة يقال : اطمأنّ القلب إذا سكن ، ولم يقلق والاسم الطمأنينة ، وأطمأنّ بالموضع أقام به واتخذه وطنا وقال بعضهم : الأصل في اطمأنّ القلب إذا سكن ، ولم يقلق والاسم الطمأنينة ، واطمأنّ بالموضع أقام به واتخذه وطنا وقال بعضهم : الأصل في اطمأنّ الألف مثل احمارّ واسوادّ ، فهمزوه فرارا من الساكنين وقيل الأصل همزة متقدّمة على الميم ، فقلب على غير القياس بدليل قولهم طأ من الرجل ظهره إذا حناه ، والهمزة يجوز تسهيلها . قوله : ( وفي الحديث دع ما يريبك إلخ « 1 » ) استشهد به على أنّ الريب له معنى غير الشك ، وهو القلق كما مرّ إذ لو اتحدا لكان قوله فإنّ الشك بمنزلة قولك فإنّ الأسد غضنفر ، وهو من لغو الحديث وقد قالوا : إنّ هذا الحديث رواه الترمذيّ ، والنسائيّ وحسناه ، وصححه الحاكم هكذا : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإنّ الصدق طمأنينة والكذب ريبة « 2 » والمعنى دع ذلك إلى ذلك أي استبدله به أو دع ذلك ذاهبا إلى غيره على التقدير أو التضمين . وقوله : ( فإنّ إلخ ) معلل ، وممهد لما تقدّمه . قيل : والمعنى إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه فإنّ نفس المؤمن تطمئنّ إلى الصدق ، وترتاب في الكذب ، فارتيابك في الشيء ينبئ عن كونه باطلا ، فاحذره واطمئنانك إلى الشيء يشعر بكونه حقا فاستمسك به ، وهذا خاص بذوي النفوس القدسية الطاهرة من وسخ الطبائع ، فظهر أنّ قوله : فإنّ الشك ريبة لا يستقيم رواية ودراية ، وردّ بأنهما ممنوعان أمّا الدراية ، فلأنّ الشيخين بيناه بما لا مزيد عليه ، وأمّا الرواية فإنّ إحدى الروايتين لا تبطل الأخرى وكان عليه أن يبين الأخرى التي ادّعاها فإنّ مثله لا يقال بالتشهي ، وقد صحح الحافظ ابن حجر ما في الكتاب بعينه وقال : إنه رواه الطبرانيّ ، وروى البيهقي « فإنّ الشرّ ريبة والخير طمأنينة » « 3 » فاستشهد به كما مرّ على أنّ الريبة غير الشك ، وإلّا لم يفد الكلام وبمقابلتها للطمأنينة علم أنها موضوعة للقلق ، فانطبق الاستشهاد على تمام المدعى ويريبك في الحديث روي بضمّ الياء وفتحها والثاني هو المناسب هنا .
( بقي ) إنّ الظاهر أنه ليس معنى الحديث ما قاله وتبعه فيه الشرّاح بل معناه كما قاله
هامش
( 1 ) هو الحديث الآتي .
( 2 ) أخرجه الترمذي 2518 النسائي في الكبرى 5220 والحاكم 2 / 13 و 4 / 99 وأبو نعيم في الحلية 8 / 264 وأحمد 1 / 200 وابن حبان 722 والبيهقي في الشعب 5747 وأبو يعلى 6762 والطبراني في الكبير 2711 من حديث الحسن بن علي .
وهو عند ابن حبان والبيهقي وأبو نعيم بلفظ « فإن الخير طمأنينة والشر ريبة » .
وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح اه .
( 3 ) انظر الحديث المتقدم .