وحيا من اللّه تعالى لم تتساقط مقدرتهم دون معارضتها واستدل عليه بأنها لو لم تكن مفهمة
شرح
أسماء للسور وجب اشتهارها بها وليس كذلك لاشتهارها بخلافها كسورة البقرة وآل عمران وغير ذلك ، ثم إنه كيف يتأتى له ما قاله على سعة حفظه ، وقد ورد عن النبيّ عليه الصلاة والسلام : « يس قلب القرآن ومن قرأ حم حفظ إلى أن يصبح » « 1 » وقال ابن مسعود حم ديباج القرآن ، وفي السنن روي حديثا فيه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم سجد في ص فكيف يدعي عدم الورود وإذا ثبت في البعض ثبت في الجميع إذ لا فارق بينها فقوله إنه لم يشتهر غير صحيح مع أن شهرة أحد علمين لا يضر علمية الآخر فكم من مسمى لا يعرف اسمه لاشتهاره بكنيته أو لقبه كأبي هريرة رضي اللّه عنه وعدم اشتهار بعضها لكونه مشتركا بينها وبين غيرها ، فترك استعماله لعدم تمييزه واحتياجه لضميمة كالم هنا . قوله : ( إشعارا بأنها كلمات إلخ ) هذا بيان لوجه التسمية وهو الدلالة على أنها كلمات عربية من جنس كلامهم مادّة وصورة كما مرّ وقد قال قدّس سرّه الأولى في الاعلام المنقولة أن يراعى مناسبة معانيها الأصلية عند التسمية ، وربما تراعى عند الإطلاق باقتضاء المقام ولما كانت هذه السور مركبة من حروف مخصوصة لها أسماء في لغتهم وجعلت تلك الأسماء أعلاما لها كان ذلك لتركبها من تلك الحروف على قاعدة لغتهم فإذا أطلقت عليها لوحظ هذا المعنى لاقتضا التحدّي له وحيث كان القرآن نوعا واحدا ، فالإشعار في بعضه إشعار بأنّ المجموع كذلك .
( قلت ) وللإشعار بذلك اتضح جعلها لقبا كما سيأتي لدلالتها على أقصى ما يمدح به الكلام ، وهو الإعجاز فلا وجه للتوقف فيه ، والمقدرة مثلثة الدال مصدر ميميّ بمعنى القدرة ، ودون معارضتها بمعنى قبل أو عند معارضتها ، وتتساقط بمعنى تساقط مبالغة وبما ذكر فهم أنّ في هذا الوجه إيقاظا للإعجاز أيضا ، كما في الأول إلّا أنه كما قيل مقصود إفادته بالذات فيه ، وهنا بالعرض لأنّ الإشعار به جاء من لمح الأصل المنقول عنه لترجيح التسمية به دون غيره ، وقد قالوا إنّ العرب سمت بها أيضا غير الحروف المقطعة كلام اسم رجل من طيىء وعين للماء ، وعين للسحاب وقاف للجبل وقد نقله بعض اللغويين في جميع أسمائها وأفرده بالتدوين ابن خالويه ، والضمير في قوله بأنها للسور . قوله : ( بأنها لو لم تكن مفهمة إلخ ) فهم كتعب متعدّ لواحد ويتعدّى بالهمزة ، والتضعيف لمفعولين فيقال أفهمته المسئلة ، ويكون أفهم متعدّيا لواحد أيضا ولا يقال : انفهم ، فإنه لحن فمفهمة في كلامه إما بكسر الهاء اسم فاعل من المتعدّي لواحد بمعنى دالة على شيء أو بفتحها اسم مفعول من الافهام أي معلومة المراد منها بحسب العلم بالوضع فكأنّ الواضع أفهمنا المعنى المراد بها .
وفيه تنبيه على أنه لا دخل للرأي في معرفتها بل يجب استفادتها من الغير كما قيل ، والمراد بكونها مفهمة أن يراد بها ما يكون طرف نسبة مقصودة في الخطاب ، فلا يرد أنها
هامش
( 1 ) يأتي في سورة « يس » بإذن اللّه .
( 2 ) يأتي في سورة « ص » إن شاء اللّه .