من جدّ في الهرب من التقاء الساكنين ( آمين ) اسم الفعل الذي هو استجب ،
شرح
بهمز العالم وقالوا في قراءة ابن ذكوان : منسأته بهمزة ساكنة أنّ أصلها ألف فقلبت بهمزة ساكنة . وقوله : ( من جدّ ) أي اجتهد وبالغ ، والهرب من التقاء الساكنين لأنّ التقاءهما إذا كان أولهما حرف لين والثاني مدغما مغتفر ومن ترك الجائز فقد بالغ في الترك ، والهرب مجاز عن الترك هنا ، وفي التعبير به لطف لا يخفى .
( فائدة وتكميل ) وقد مرّ قول ابن جني رحمه اللّه أنه أسند النعمة إليه في قوله تعالىأَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْتقربا وانحرف عن ذلك عند ذكر الغضب إلى الغيبة تأدّبا وقال الشارح المحقق : هو كلام حسن ومعنى الغيبة ترك الخطاب ، فكأنه فسره مع ظهوره إيماء إلى أنه افتنان لا التفات وفي المثل السائر وعلى نحو من الالتفات جاء قوله :صِراطَ الَّذِينَإلخ فصرح بالخطاب لما ذكر النعمة ، ثم قال غير المغضوب عليهم ، ولم يقل الذين غضبت عليهم ، لأنّ الأوّل موضع التقرّب إلى اللّه بذكر نعمته ، فلما صار إلى ذكر الغضب زوى عنه لفظه تحننا ولطفا ، فانظر إلى هذا الموضع ، وتناسب هذه المعاني الشريفة التي الأقدام لا تكاد تطؤها والأفهام مع قربها صافحة عنها ، وهذه السورة قد انتقل في أوّلها من الغيبة إلى الخطاب لتعظيم شأن المخاطب ، ثم انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة لتلك العلة بعينها ، وهي تعظيم شأن المخاطب أيضا لأن مخاطبة الرب تعالى بإسناد النعمة إليه تعظيم لشأنه ، وكذلك ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه تعظيم لخطابه ، فينبغي أن يكون صاحب هذا الفنّ من الفصاحة والبلاغة عالما بوضع أنواعه في مواضعها ا ه وفي عروس الأفراح ذكر التنوخي في الأقصى القريب ، وابن الأثير في كنز البلاغة ، وابن الغلس في طرق الفصاحة نوعا غريبا من الالتفات ، وهو بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله كقوله تعالى :غَيْرِ الْمَغْضُوبِإلخ وفيه نظر . ولا نظر فيه عندي بل إمّا على رأي الأدباء والمتقدّمين في استعمال الالتفات بمعنى الافتنان ، فلا غبار عليه وأمّا على المتعارف فلك أن تقول على طريق السكاكي الذي لا يشترط تعدد التعبير بل مخالفة مقتضى الظاهر أنّ المخاطب إذا ترك خطابه ، وبنى ما أسند إليه للمفعول ، والمحذوف كالغائب ، فلا مانع من أن يسمى التفاتا ، فكما يجري في الانتقال من مقدّر إلى محقق يجري في عكسه وهو معنى بديع ينبغي التنبه له . قوله : ( لقوله تعالى إلخ ) قيل عليه إنّ الاستشهاد بما ذكر لا يتم ، فإنّ الغضب في المخل بالاعتقاد أيضا على أنه لا يقتضي كون كل من أخل بالعمل مغضوبا عليه ، ويدفعه ما قيل من أنّ مقابلة الضالين بالمغضوب عليهم تقتضي أن يراد بالضالين غير ما أريد بالمغضوب عليهم ، ولما ورد الغضب في حق للفاسق ، والضلال في حق المخل بالاعتقاد ناسب أن يراد بالأوّل العصاة وبالثاني الجاهلون باللّه تعالى ، وليس مبنيا على عدم ورود الضلال في حق الفاسق فتأمّل . قوله : ( اسم الفعل إلخ ) عدل عن قوله في الكشاف آمين اسم صوت لأنه غير ظاهر حتى أوّله شراحه بأنه تجوّز لقرب أسماء الأفعال من أسماء الأصوات ، ولذا أوردهما النحاة في فصل واحد ، أو لأنه اصطلح على أنّ الأسماء التي لا