تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
النعمة ، وهي اللين ونعم اللّه وإن كانت لا تحصى كما قال تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ سورة النحل ، الآية : 18 ] تنحصر في جنسين دنيوي وأخروي ، والأوّل قسمان موهبيّ وكسبيّ والموهبي قسمان : روحانيّ كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل ، وما يتبعه من
شرح
نعومة المسلمين ، وأصل معناه لغة من النعمة بالفتح ، وأصله في المستلذات الحسية ، ثم أطلقت على المعنوية ، كنعمة الإسلام لأنّ اللذة عند المحققين أمر تحمد عاقبته ، ولذا خصها بعضهم بالمعارف ، وقيل : لا نعمة للّه على كافر ، ولما فيها من الإيصال والإنهاء كان حقها أن تعدّى بإلى لكنها عديت بعلى إشارة لعلو المنعم ، ولذا قيل اليد العليا خير من اليد السفلى فقوله : من النعمة بالفتح ، وهي اللين ظاهر ، وفي نسخة من نعمة الإسلام ، وهي الدين وهي صحيحة أيضا ، وليست تحريفا لأنّ إضافته بيانية قال تعالى :وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ[ سورة البقرة ، الآية : 211 ] وكذا ما في بعضها من النعمة ، وهي الدين مع ما فيه من الركاكة ، ولا ينافي تخصيصها بنعمة الإسلام الإطلاق المستفاد من ظاهره لشمول الإسلام لكل نعمة ، ويستلذه بمعنى يجده لذيذا وقد يعدّى بالباء ، وعدّى الإطلاق باللام ، وهو معدّى بعلى لكونه بمعنى الاستعمال أي استعملت فيما يلائم من الأمور الموجبة لتلك الحالة ، فهو من إطلاق المسبب على السبب . وقوله : ( لا تحصى ) أي لا تعد أنواعها فضلا عن أفرادها قال تعالى :وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها[ سورة النحل ، الآية : 18 ] أي نعمه تعالى ، لأنّ الإضافة تفيد ما تفيده اللام قيل : وفيه نكتة حيث قال : نعمة دون نعم مع أنّ عدّ الواحد هين بل ليس هو بعدد لاشتمال كل فرد منها على نعم لا تحصى كنعمة الصحة مثلا ، لو أريد تفصيلها جزءا جزءا ظاهرا وباطنا أعجزت العادّ ، وفسّرها بعض الفضلاء بقوله : إن تشرعوا في عد أفراد نعمة من نعمه لا تطيقوه فتدبر . قوله : ( روحانيّ كنفخ الروح إلخ ) تحقيق التسوية ونفخ الروح على ما نقله في كتاب الروح عن حجة الإسلام أنّ التسوية تهيئة المحل القابل للروح ، كطينة آدم عليه الصلاة والسلام ونطفة بنيه ، لأن يقبلها كالفتيلة التي تتقد بشرب الدهن لتعلق النار بها ، وأصل النفخ إخراج هواء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ ، وهو غير متصوّر في حقه تعالى ، إلّا أنّ النفخ لما كان سببا لاشتعال النار في بعض الأجساد ، ويعدّ ذلك نتيجة له عبر عن نتيجة النفخ بالنفخ وإن لم يكن على صورة النفخ ، والسبب الذي اشتعل به نور الروح في فتيلة النطفة صفة في الفاعل وصفة في المحل القابل ، فالأوّل الجود الإلهيّ الذي هو ينبوع الوجود على ما يقبله وصفة القابل هو الاعتدال الحاصل بالتسوية ، كما قال تعالى :فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي[ سورة الحجر ، الآية : 29 ] وهو في الأصل استعارة تمثيلية أو تصريحية أو مجاز مرسل ، ثم صار حقيقة شرعية في فيض الأرواح على ذويها ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى تفصيله في سورة الحجر وما قاله المصنّف فيه ، ثم إنّ المصنّف رحمه اللّه قسم ومثل بالأنعام تسمحا ، أو المراد الحاصل بالمصدر وتقسيمه على سبيل منع الخلو ، فلا يرد عليه أنّ معرفة اللّه تعالى دنيوية وأخروية ، ولا حاجة إلى ادّعاء تغايرهما ونحوه ، وبدؤه بما ذكر إشارة إلى أنّ الحياة أصل النعم وأنها نعمة في