عليهما الصلاة والسلام قبل التحريف والنسخ وقرئ ( صراط من أنعمت عليهم ) والإنعام إيصال النعمة ، وهي في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان ، فأطلقت لما يستلذه من
شرح
58 ] الآية . قوله : ( وقيل أصحاب موسى إلخ ) أي المصدّقون بهما وبما جاءا به قبل ما صدر من بعضهم من التحريف وقبل نسخ شيء مما جاءا به وهذا منقول عن ابن عباس رضي اللّه عنهما وخصوا لشهرة أمرهم وكثرتهم ووجودهم في عصر نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام والتحريف تغيير ما في الكتابين كذكر نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم حيث أرادوا إخفاءه ويأبى اللّه إلّا أن يتم نوره ، ولو كره الكافرون ، والنسخ رفع بعض الأحكام من شريعتهم وانتهاؤها ، قيل : وفيه لف ونشر مرتب ، فالأوّل بالنسبة لأصحاب موسى عليه الصلاة والسلام ، والثاني بالنسبة لأصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام ، والظاهر أن كلا منهما بالنسبة إلى كل منهما وقيل : هم مؤمنو الأمم السابقة وقيل : هم المؤمنون مطلقا ، وهو الأولى والأنسب ، وليس بزائد على ما مرّ كما توهم .
واعلم أنّ التوراة والإنجيل اللذين عند اليهود والنصارى الآن اختلف فيهما هل هما مبدّلان ومحرّفان لفظا أو تأويلا ، فأمّا التوراة فأفرط فيها قوم وقالوا كلها أو جلها مبدل حتى جوّزوا الاستنجاء بها ، فليست المنزلة على موسى عليه الصلاة والسلام ، وذهبت طائفة من الفقهاء والمحدّثين إلى أنّ ذلك إنما وقع في التأويل فقط كما صرّح به البخاري ، واختاره الفخر الرازي وغيره لقوله تعالى :قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ[ سورة آل عمران ، الآية :
93 ] وهو أمر للنبيّ عليه الصلاة والسلام بالاحتجاج بها والمبدّل لا يحتج به ، ولما اختلفوا في الرجم لم يمكنهم تغيير آيته منها ، وتوسطت طائفة وهو الحق فقالوا : بدل بعض منها وحرف لفظه ، وأوّل بعض منها بغير المراد منه ، وإنه لم يعط منها موسى عليه الصلاة والسلام لبني إسرائيل غير سورة واحدة ، وجعل ما عداها عند أولاد هارون ، فلم تزل عندهم حتى قتلوا عن آخرهم في وقعة بختنصر ، وبعد ذلك جمع عزير بعضا منها ممن حفظها ، فهو الذي عندهم اليوم وليس أصلها وفيه زيادة ونقص ، واختلاف ترجمة وتأويل ، وأمّا الإنجيل ففيه تبديل وتحريف في بعض ألفاظه ومعانيه ، وهو مختلف النسخ ، والأناجيل أربعة كما فصله بعضهم في كتاب عقده لذلك سماه المفيد في التوحيد . قوله : ( صراط من أنعمت ) فيه دليل على جواز إطلاق الأسماء المبهمة كمن على اللّه كما ورد في الأحاديث المشهورة يا من بيده الخير ونحوه ، فلا يغرنك ما نقله الحفيد عن صاحب المتوسط من منعه . قوله : ( والإنعام إيصال النعمة إلخ ) قال الراغب : النعمة الحالة الحسنة ، لأنّ بناء الفعلة بالكسر للهيئة كالجلسة والركبة والنعمة بالفتح للمرّة كالضربة ، وهو بمعنى التنعم ، ولذا قيل كم ذي نعمة لا نعمة له أي لا يتنعم بما رزقه اللّه ، والإنعام إيصال الإحسان إلى الغير من العقلاء كما قاله الراغب فلا يقال :
أنعم على فرسه ، ولذا قيل إنّ النعمة نفع الإنسان من هو دونه لغير عوض ، والنعماء إزالة الضراء ، والنعمى ضد البؤسى ونعمه بالتشديد جعله في نعيم ، ولين عيش وناعم وناعمة من