أرشدنا طريق السير فيك ، لتمحو عنا ظلمات أحوالنا ، وتميط غواشي أبداننا لنستضيء بنور قدسك ، فنراك بنورك والأمر والدعاء يتشاركان لفظا ومعنى ويتفاوتان بالاستعلاء والتسفل ،
شرح
بالثبات ، أمّا ثباته تعالى على الهدى بمعنى الهداية على سبيل الاستخدام ، أو ثباتهم على الهدى على قياس ما عرفت في زيادة الهدى ، وعلى الثاني المراد بالهداية تثبتهم على الهدى أو ثباته تعالى على هدايتهم أي دوامه .
( بقي ) هنا أنه قد يقال الصراط بمعنييه لا يخلو إمّا أن يراد جميعه أو بعض منه معين أو غير معين لا سبيل إلى الأوّل لأنّ هؤلاء لم يحصلوا جميع طرقه ، وجميع الأعمال الصالحة والعقائد الحقّة والبعض المعين لا بدّ له من قرينة تعيينه ولا قرينة هنا فإن أريد بعض غير معين ، فلا ريب في صحة طلب البعض لآخر من غير تأويل أو تجوّز فتأمّل . قوله : ( فإذا قاله العارف إلخ ) الظاهر أنه تفريع على قوله حصول المراتب المترتبة عليه وأنّ هذا من جملتها ، ولذا قالوا إنّ العارف لا يزال مسافرا فكلما ألقى عصاه بدا له سفر ، فهو من معنى الهداية المترتبة على أحد الأربعة ، وقيل : الحصر فيها بالنسبة إلى السالك ، وهذا متفرّع عليها بعد التكميل ، فلا يرد عليه ما قيل لا يخفى إنّ الإرشاد المذكور جنس خامس من الهداية ، فإنّ الرابع هو هداية السير إلى اللّه كما سبق ، فالحصر في الأجناس الأربعة غير مستقيم ، وقد رد أيضا بأنه قد قيل إنّ الفناء عبارة عن نهاية السير إلى اللّه عزّ وجلّ ، والبقاء عبارة عن بداية المسير في اللّه سبحانه والسير إنما ينتهي إذا قطع بادية الوجود بالكلية ، وبعده يتحقق السير فيه بالاتصاف بالأوصاف الإلهية ، والتخلق بالأخلاق الربانية ، وقطع بادية الوجود عبارة عن فناء الحظوظ الدنيوية والأخروية ، ويلزمه بقاء طلب الحق سبحانه بل يندرج فيه السير إليه أيضا ، كما أنّ قوله تعالى :لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[ سورة العنكبوت ، الآية : 69 ] يشملهما فالحصر مستقيم ، والعارف الواقف على الأسرار الإلهية ، والسير في الفتوحات أن يكشف له عجائب الملكوت ، فتنتقش في جوهر نفسه فيفرّ إلى اللّه مسافرا عما سواه إلى أن يراه في كل شيء ويطلق عندهم أيضا على الانتقال من اسم إلهيّ إلى آخر :فيا دارها بالخيف إنّ مزارها * قريب ولكن دون ذلك أهوالقوله : ( أرشدنا ) عدّاه بنفسه على الحذف والإيصال ، أو ضمنه معنى أرنا لأنه يتعدّى بالحرف وفي المصباح أرشدني إلى الشيء وعليه وله قاله أبو زيد ، ونمحو بالنون والتاء الفوقية والياء التحتية ، وكذا نميط في الوجوه الثلاثة ونمحو بمعنى نزيل ، ونميط بمعنى نبعد وننحى ، والغواشي جمع غاشية بمعجمتين ما يغشى أي يعرض ويكون بمعنى الغطاء ، ومنه غاشية السرج لغلافه فغواشي الأبدان المراد بها هي بأنفسها ، أو ما يطرأ عليها من كدورات البشرية وظلمات الهيولى ، ونور قدسه الملكات الفاضلة أو الفيوض الإلهية . وقوله : ( فنراك بنورك ) أي نشاهدك بما أودعته في مشكاة قلوبنا من الأنوار ، واللّه نور السماوات والأرض ، فإذا فهمت فنور على نور . قوله : ( والأمر والدعاء ) المراد بهما مفهوما هما ، أو ما صدقا عليه ، كصم وصلّ أو