أو الإلهام والمنامات الصادقة وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء وإياه عنى بقوله
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ سورة الأنعام ، الآية : 90 ] وقوله :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ سورة العنكبوت ، الآية : 69 ] فالمطلوب إمّا زيادة ما منحوه
شرح
لما قبله ظاهرة لاختصاصه بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء إذ المراد بالوحي كشف الحقائق وإظهارها لهم بغير الطرق المعهودة ولا وجه لتعميمه والإلهام إلقاء الخير في القلب إذ غيره يقال له وسوسة وأمّا قوله تعالى :فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها[ سورة الشمس ، الآية : 8 ] فمؤوّل كما سيأتي في محله ، والمنامات الصادقة هي المبشرات وهي جزء من أجزاء النبوّة كما ورد في الحديث المشهور « 1 » ، وانكشاف الحقائق بها يقينا مخصوص برؤياهم سواء أوّلت ، أو وقعت بعينها . وقوله : ( كما هي ) أي كما هي هي في نفس الأمر ، كقولهم من حيث هو هو وإعرابه مشهور . وقوله :أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ[ سورة الأنعام ، الآية : 90 ] الآية الشاهد فيها في الهداية الأولى أو فيهما والمراد بهداهم ما توافقوا عليه من التوحيد ، وأصول الدين كما سيأتي في سورة الأنعام تحقيقه ، فلا وجه لما قيل من أنه يمكن حملها على الثالث حتى توهم بعضهم أنه أظهر وأولى ، وعدّى المصنّف رحمه اللّه الكشف بعلى ، لأنه مضمن أو متجوّز به عن معنى جلا وأظهر ، وإن لم يخل من ركاكة العجمة والنيل الوصول . قوله : ( والذين جاهدوا إلخ ) قال المصنّف رحمه اللّه في تفسيره : والذين جاهدوا في حقنا ، وإطلاق المجاهدة ليعمّ جهاد الأعادي الظاهرة والباطنة بأنواعهلَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[ سورة العنكبوت ، الآية : 69 ] سبل السير إلينا والوصول إلى جنابنا أو لنزيدنهم هداية إلى سبيل الخير وتوفيقا لسلوكها ا ه . ولعل هداية سبيل السير إليه تعالى أن يكشف عن قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي ، وقال الطيبيّ : طيب اللّه ثراه الاستشهاد فيه أنه تعالى أثبت لهم الجهاد على لفظ الماضي ، وأوقع ضمير التعظيم ظرفا له على المبالغة أي في سبيلنا ووجهنا مخلصين لنا ولا يكون مثل هذا الجهاد إلّا هداية لا غاية بعدها ، ثم قال : لنهدينهم سبلنا على الاستقبال ، وصرّح بلفظ سبلنا ولا يستقيم تأويله إلّا بما ذكر من طلب الزيادة بمنح الألطاف ا ه . والسرائر جمع سريرة ، وهي ما يسره المرء في قلبه وأراد بها المصنّف رحمه اللّه السرّ الإلهيّ ، وليس ببعيد وإن كان خلاف المعروف من استعماله . قوله : ( أمّا زيادة ما منحوه إلخ ) منح بمعنى أعطى يتعدّى لمفعولين وهو مبنيّ للمجهول هنا والزيادة نزول الآيات وظهور الأحاديث في زمانه عليه الصلاة والسلام وظهور طرق الاحتياط والأخذ عن أهل العلم بعده ، وقال قدّس سرّه : إنه يعني أنّ من خص الحمد به تعالى وأجرى عليه تلك الصفات فهو مهتد فكيف طلب الهداية . فالمطلوب لزيادة أو الثبات أو ثمرة ذلك من سعادة الدارين ، ثم إن حمل لفظ الهداية على التثبيت ، كان مجازا وإن
هامش
( 1 ) « الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءا من النبوة » أخرجه مسلم 2265 وابن ماجة 3897 وأحمد 2 / 18 و 50 من حديث ابن عمر .