يحصيها عدّ كما قال تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ سورة إبراهيم ، الآية : 34 ] ولكنها تنحصر في أجناس مترتبة الأوّل إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى
شرح
الهدي ، وإذا عدّي بإلى مصدره الهداية كما في الديوان وغيره ومنهم من فرق بينهما كما قال قدّس سرّه : ونقل عن المصنّف رحمه اللّه إن هداه لكذا أو إلى كذا إنما يقال إذا لم يكن في ذلك فيصل بالهداية إليه ، وهداه كذا لمن يكون فيه ، فيزداد أو يثبت ، ومن لا يكون فيه فيصل .
قيل : ولا نزاع في الاستعمالات الثلاثة إلّا أنّ منهم من فرق بينهما بأنّ المتعدّي بنفسه هو الإيصال إلى المطلوب ، ولا يكون إلّا فعل اللّه ، فلا يسند لغيره كقوله :لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[ سورة العنكبوت ، الآية : 69 ] ومعنى المتعدّي بالحرف الدلالة على الموصل ، فيسند له وللقرآن والنبيّ صلى اللّه عليه وسلم انتهى .
قيل : وعلى الفرق الأوّل يظهر الجواب عن النقض المشهور على تعريف الهداية بالدلالة الموصلة بقوله تعالى :وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ[ سورة فصلت ، الآية : 17 ] إلخ إذ يجوز أن يكون التعريف للهداية المتعدّية بنفسها ، والهداية في الآية متعدّية بالحرف ، فترك المفعول بواسطة اختصارا من غير احتياج إلى تجوّز ونحوه ، وقيل : الهداية تتضمن معاني يقتضي بعضها تعديتها بنفسها وبعضها التعدية بالحرف ، كالإرادة والإشارة والتلويح ، وليس بشيء وسيأتي تتمته ، واعترض على الفرق الثاني بقوله تعالى حكاية عن الخليل عليه الصلاة والسلاميا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا[ سورة مريم ، الآية : 43 ] ونحوه ، ودفعه بأنه إسناد مجازيّ مخالف للظاهر . قوله : ( لا يحصيها عدّ ) أي لا يحصى إفرادها الجزئية أحد يعدّ ، وأصل الإحصاء العدّ بالحصى ، ثم صار حقيقة في مطلق العدّ كما هنا ، فإسناده إلى العدّ مجاز للمبالغة ، ولما كان إطلاق نفيه يوهم عدم انحصار أنواعها وأجناسها استدرك ما يدفع ذلك الإيهام وقيل إنّ المصنّف رحمه اللّه تعالى فسّر الهداية المطلوبة بقوله اهدنا بالدلالة السالفة ثم قال وهداية اللّه إلخ ولم يقل ، وهي تتنوّع لأنّ ما ذكر من الإفاضة والنصب والإرسال والإنزال ، لا تصدق عليه الدلالة إلّا بضرب من التأويل ، ولو سلم فالمقسم لهذه الأجناس خصوص هداية اللّه تعالى ، فالوجه أن يقال المقسم ما يطلق عليه هداية اللّه بوجه ، أو فيه مضاف مقدّر أي أسباب هداية اللّه .
( أقول ) الظاهر أنّ الدلالة السابقة أعمّ من هذه ، كما ينطق به وينادي عليه فحوى كلامه ، فكون ما ذكر لا يطلق عليه الدلالة غير مستقيم ، فإنّ إطلاقه الهداية عليه يأباه والإظهار في مقام يقتضي ظاهره الإضمار إشارة إلى أنه ليس عين ما قدّمه ، والمراد بكونها هداية اللّه أنها بخلقه وإحسانه ، فلا ينافي إسنادها لغيره كما يشهد له ما ذكره من قوله :يَهْدُونَ بِأَمْرِنا[ سورة الأنبياء ، الآية : 73 ] فافهم . قوله : ( الأوّل إفاضة القوى إلخ ) المراد بالإفاضة الإيجاد بالفيض ، وهو الإحسان والجود الإلهي ، والقوى جمع قوّة وهي لغة بمعنى القدرة ، والتهيؤ كما قاله