تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
مصالحة كالقوّة العقلية ، والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة والثاني نصب الدلائل الفارقة ، بين الحق والباطل والصلاح والفساد وإليه أشار حيث قال :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
[ سورة البلد ،
شرح
الراغب وفي اصطلاح الحكماء كما قالوه مبدأ التغير من أمر إلى آخر من حيث هو آخر ، وهذا هو المراد هنا ، وهي عند الأطباء ثلاثة أجناس لأنّ فعلها إمّا مع شعور أو لا ، والأوّل يسمى قوّة نفسانية ، والثاني إن اختص بالحيوان فقوّة حيوانية وإلّا فهي طبيعية ، وعند الفلاسفة أربعة لأنّ كل قوّة إمّا أن يصدر عنها فعل واحد أو أكثر ، وعلى التقديرين إمّا مع شعور أو لا ، فالتي فعلها متغير مع الشعور قوّة حيوانية والتي فعلها متغير بدونه قوّة نباتية ، والتي فعلها غير متغير مع الشعور قوّة فلكية ، والتي بلا شعور طبيعية إن كانت في البسائط كالنار وخاصية في المركب كتخدير الأفيون ، وهذه هداية إلى طريق التعقل والإحساس وفيها ما لا يختص بالإنسان ، وإلى العامّ منها الإشارة بقوله تعالى :أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى[ سورة طه ، الآية : 50 ] وإثبات الحواس الباطنة وإن كان رأي الفلاسفة ، فقد ذهب إليه كثير من أهل السنة ، وقال الغزاليّ : الذي أبطلوه استقلالها بالإدراك والتأثير وما أثبتوه لها مما هو مبنيّ على أصولهم الواهية ومجرّدها لا ضير فيه لما فيه من الحكم البديعة والقدرة الباهرة . وفي شرح المقاصد : لا يخفى إنا إذا جعلنا القوى الجسمانية آلة للإحساس ، وإدراك الجزئيات والمدرك هو النفس ارتفع النزاع ، فلا وجه لما قيل : من أنّ اللائق بالمصنّف أن لا يذكرها لابتنائها على هذيانات الفلاسفة ، وتفصيلها في مطوّلات الكلام ، وكتب الحكمة ، والمشاعر الحواس الظاهرة جمع مشعر جعلت محلا للشعور ، وهو الإحساس ، وجعل الأولى حواس والثانية مشاعر تفننا . قوله : ( والثاني نصب الدلائل إلخ ) الظاهر أنّ المراد بهذه القوّة النظرية والفكر في الأنفس ، والآفاق حتى يعلم أنّ له صانعا وربا قديرا ، ولأجل هذا أودع اللّه فيه العقل والقوى الظاهرة والباطنة ، فظهر من هذا كونه مترتبا على ما قبله ، وما قيل من أنّ الحق والباطل إشارة إلى الكمال بحسب القوّة النظرية والصلاح والفساد بحسب القوّة العملية لا وجه له ، وقيل : من جملة هذه الدلائل المعجزات المفضية إلى ثبوت الشرع الموقوف عليه الأدلة السمعية ، وفيه نظر . قوله : ( وإليه أشار إلخ ) أي إلى نصب الدلائل العقلية أشير في هذه الآية الكريمة ، والنجد المكان الغليظ المرتفع ، وهو مثل لطريقي الحق والباطل في الاعتقاد ، والصدق والكذب في المقال ، والجميل والقبيح في الفعال فبين أنه عرفهما كقوله :إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً[ سورة الإنسان ، الآية : 3 ] قيل وما ذكره المصنّف تبع فيه الزمخشريّ ، والهداية فيه متعدّية بنفسها وليست بمعنى الإيصال بل بمعنى الإراءة ألا ترى إلى قوله :فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَقال المصنّف : فلم يشكر تلك الأيادي باقتحام العقبة فإنّ الإيصال إلى طريق الشرّ ليس من الأيادي بخلاف إراءته من حيث أنه طريق شر يحترز عنه فإنه يكون خيرا في حقه ، وعلى ما يفهم من كلامه أوّلا من اختصاصها بالخير في قوله :هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ[ سورة البلد ، الآية : 10 ] تغليب انتهى . ولا يخفى ما فيه من الاضطراب ، فإنّ المصنّف رحمه اللّه لم يقل هنا أنّ المتعدّي بنفسه
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 196 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي