تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
قال :
إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ
[ سورة الشعراء ، الآية : 62 ] وكرّر الضمير للتنصيص على أنه المستعان به لا غير ، وقدّمت العبادة على الاستعانة لتوافق رؤوس الآي ، ويعلم منه أن
شرح
كان كذلك إلّا أنه غير منظور إليه أوّلا بل إلى ملزومه وهو اختصاصه بالمعية الموجبة للنجاة ردّ للقوم لما جزموا بلحوقهم ، ثم إن تعليقه المعية باسم الذات دون الوصف ، كما فعله الكليم عليه السلام ما لا يخفى من علوّ شرفه في موارد النبوّة ، فإنّ ما حكاه اللّه عن حبيبه عليه الصلاة والسلام ، وإن كان أفضل مما حكى عن كليمه صلى اللّه عليه وسلم من الجهة المذكورة لكن الأمر بالعكس من حيث إفادة الثاني للحصر دون الأوّل قيل إنّ الحصر فيه أيضا مستفاد من نفس النسبة لامتناع كونه مع المعاندين ناصرا لهم ، فإنّ معنى قوله تعالى عنهإِنَّ اللَّهَ مَعَنا[ سورة التوبة ، الآية : 40 ] أنه تعالى معنا بالعصمة والمعونة ، ثم إنّ في تعبيره بالحبيب والكليم دون محمد وموسى نكتة لطيفة وهي مناسبة ذلك للمعية لأنّ المرء مع من أحب ، واقتضاء المكالمة للاجتماع ظاهر أيضا . قوله : ( وكرّر الضمير إلخ ) لاحتمال تقديره مؤخرا عند الحذف ، وعدم نصوصية الخطاب في الحصر وعلى تقدير تقديره مقدّما وعدم اعتبار تقديره مؤخرا أنّ التصريح بتقديمه تنصيص بخلاف نصب القرينة على تقديمه ، وأيضا يحتمل تعلق الحصر بالمجموع وبالتكرار يرتفع ذلك ، وفي قوله المستعان به إيماء إلى أنه يتعدّى بنفسه وبالباء وأنهما بمعنى . وقوله لتوافق رؤوس الآي ظاهره أنّ القرآن فيه سجع وسيأتي ما فيه . قوله : ( ويعلم إلخ ) يعلم مرفوع ويجوز نصبه أيضا ، ويؤيده أنه وقع في نسخة وليعلم ، والوسيلة كل ما يتقرّب به يقال توسل إلى اللّه بوسيلة أي تقرّب إليه بعمل كذا في المصباح ، وأدعى أفعل تفضيل من دعاه إلى كذا إذا حثّه على قصده أي تقديم السائل على سؤاله شيئا يرضاه المسؤول منه كهدية أو تعظيم أو ثناء ، ونحوه يقتضي إجابته ، ولذا قدّمت العبادة على الدعاء في الواقع . وسنّ الدعاء عقب الصلوات ، فقدّم هنا لفظ العبادة على الاستعانة ليوافق ترتيب الألفاظ ترتيب معانيها ، فيرشد الترتيب الذكري للترتيب الخارجيّ ، ومن خصوصية المادّة يتفطن أنه لكونه أدعى إلى الإجابة ، وهذا مراد المصنّف رحمه اللّه تبعا للزمخشريّ في توجيه الترتيب ، وهو جواب عن سؤال تقديره إنّ العبادة تقرّبهم لمولاهم ، والاستعانة طلب الفعل المولى ، فكان ينبغي تقديمه ، فلم عكس ذلك ، ثم إنهم قالوا قد مرّ أنّ الاستعانة المذكورة طلب المعونة في المهمات كلها ، أو في أداء العبادات ، وعلى الثاني العبادة مقصودة لذاتها ، والإعانة وسيلة لها دون العكس ، فهذا على الوجه الأول فقط ، وهو الراجح عند المصنّف رحمه اللّه ، فصنيعه أحسن مما في الكشاف لا يقال جائز أن يكون بعض العبادات وسيلة إلى الإعانة على البعض لأنا نقول لا اختصاص ، لقوله نعبد ونستعين ببعضها لإطلاقهما ، فحينئذ ينبغي أن يقال وجه تقديم العبادة أنّ الإعانة مطلوبة لتكميل العبادة بالزيادة أو الثبات ، ويؤيده كون اهدنا بيانا لها ،