تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
من أحوالها إلا من حيث أنها ملاحظة له ، ومنتسبة إليه ولذلك فضل ما حكى اللّه عن حبيبه حين قال :
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
[ سورة التوبة ، الآية : 40 ] على ما حكاه عن كليمه حيث
شرح
معرضا عن غير ما استغرق له وهو إمّا من الاستغراق بمعنى الاستيعاب لاستيعاب أوقاته ، أو نظره في ذلك ، أو بمعنى اشتغل به ، وتفرّغ عن غيره ، وفي القاموس فلأنه تغترق نظرهم أي تشغلهم بالنظر إليها عن النظر إلى غيرها لحسنها ، والملاحظة من لاحظته ملاحظة ، ولحاظا بمعنى راقبته وأصله النظر باللحظ وهو مؤخر العين يقال لحظته بالعين ولحظت إليه لحظا ، والجناب بالفتح الفناء والجانب والقدس بضم القاف والدال وتسكن في الأكثر الأفصح بمعنى النزاهة والطهارة ، وجناب النزاهة عبارة عنه سبحانه وتعالى بمعنى المقدس ، وحظيرة القدس الجنّة كما قاله الراغب . وقوله : ( حتى أنه إلخ ) غاية لاستغراقه لأنه إذا استغرق غاب عن ذهنه كل شيء حتى نفسه . قوله : ( إلّا من حيث إلخ ) لما كان قوله : فإنّ العارف إلخ تعليلا لقوله : ينبغي لأنّ العابد إمّا عارف أو بصدد أن يكون عارفا وعلى الأوّل الاستغراق مقتضى حاله وعلى الثاني هو طالب لأن يكون حاله . وقوله : ( من حيث أنها إلخ ) ملاحظة إن كان بكسر الحاء اسم فاعل فضمير إنها راجع للنفس وضمير له للجناب كما في بعض الحواشي ، وإن كان بفتحها فهو مصدر وضمير أنها للملاحظة المفهومة من يلاحظ كما ذهب إليه بعض المحشين ، وما ارتكبه دعاه إليه تصحيح الحمل والمعنى حينئذ لا يلاحظ نفسه وأحوالها إلّا من حيث أنّ ملاحظتها ملاحظة للمعبود واستبعده بعضهم وقال الأولى أنّ المعنى إلّا من حيث أنّ النفس ، وأحوالها آلة ملاحظة له تعالى ، ومرآة تشاهد فيها ، كما هو شأن كل مصنوع غايته أنه جعل آلة الشيء نفسه مبالغة في كونه آلة ومثله شائع وهو تكلف ، وقوله ومنتسبة بالواو العاطفة وفي بعض النسخ بدونها لأنه كالتفسير لما قبله . قوله : ( ولذلك إلخ ) أي لأنّ العارف إنما يحق وصوله إلخ أو لأنّ العابد ينبغي أن يكون نظره إلخ فضل لما فيه من ملاحظة الحق قبل نفسه بالتقديم عليها قيل ، والوجه هو الثاني لأنّ المحكيّ عن الحبيب فيه النظر إلى المعبود أوّلا بخلاف المحكيّ عن الكليم ، وأمّا من حيث الاستغراق في جناب القدس لا يظهر به وجه التفضيل بل صيغة المتكلم مع الغير في الأوّل والمتكلم وحده في الثاني توهم خلافه إلّا أن يقال شأن المستغرق تقديم ما استغرق فيه ولئن سلم ، فالوجه الثاني أظهر في المقصود ، ولا يخفى أنه إذا غابت نفسه عنه ، وأحوالها من جملة ما تضمنه قوله نعبد كان مقتضاه أن لا يذكر ذلك فضلا عن أن يقدّم وهذا أبلغ ولذا قدّمه ، وأمّا ذكر المتكلم مع الغير ثمة وهنا ، هو المطابق للواقع فلا وجه لما ادّعاه ، ثم إنه قيل هنا لكل وجهة فالحبيب قدّم الاسم لأنه في مقام تسكين روع الصديق بالإرشاد إلى ملاحظة الحق والاعتماد عليه والرجوع في كل مهمّ إليه ، والكليم عليه السلام قدّم الظرف في جواب قول قومهإِنَّا لَمُدْرَكُونَ[ سورة الشعراء ، الآية : 61 ] تنبيها على اختصاصه ومن تبعه بالمعية ، كأنه قال : إنّ معي واتباعي ربي لا معهم فالهداية إلى طريق النجاة لي لا لهم ، فإن قيل الكليم أيضا في مقام التسكين لروع قومه قيل : هو وإن