العبادة أيضا مما لا يتم ولا يستتبّ له إلا بمعونة منه وتوفيق وقيل الواو للحال والمعنى نعبدك مستعينين بك وقرئ بكسر النون فيهما ، وهي لغة بني تميم ، فإنهم يكسرون حروف المضارعة سوى الياء إذا لم ينضم ما بعدها
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
بيان للمعونة
شرح
والجيم والحاء المهملة ، ومعناه الفرح والسرور كما في الصحاح ، وقد فسّر بالافتخار الناشئ من العجب والكبر ، وهو أنسب بالمقام ، ويستتبّ بسين مهملة وتاءين فوقيتين من استتبّ الأمر إذا تهيأ واستقام كما في الصحاح ، أو هو من التباب بمعنى الهلاك وهو يتبع التمام فكان ما تمّ يطلبه كما في الأساس ، وهو منزع حسن وعليه قوله :إذا تمّ أمر بدا نقصه * تيقن زوالا إذا قيل تموفسر أيضا بيستمرّ أو يستقل .
وقال الراغب : التبب الخسار وتببته قلت له ذلك ، ولتضمنه الاستمرار قيل : استتب لفلان كذا إذا استمرّ اه . وما قيل من أنه لم يثبت عند صاحب القاموس ، فلذا لم يذكره من قصره باع الاطلاع ، وفي كلامه تصريح بأنّ المراد بالمعونة التوفيق ، وبه يتمّ التوفيق .
( فإن قلت ) : هل هذا جار على الوجهين أو مخصوص بأنّ الاستعانة في أداء العبادة على الوجه الراجح المستحسن كما قيل ، وعلى كل حال كيف يفهم هذا من قصر الاستعانة على اللّه وإنما يفيده لو قيل لا يصدر منا أمر إلّا باستعانة منك قلت : هذا من قبيل الاحتراس ، واتباع الكلام بما يزيل إبهامه كقوله :فسقى ديارك غير مفسدهاوهو من ذكره بعد مطلقا ومقتض لتأخيره فما ذكر لا وجه له مع أنّ قوله : إنه الراجح من عدم الفرق بين كلام الشيخين بل هو على مقابله أوضح والمعنى المذكور يؤخذ من عدم تقييده بمتعلق ظاهر ولك أن تقول إنه مغاير لما مرّ أيضا . قوله : ( وقيل الواو إلخ ) ليس هذا من قبيل قمت واصك وجهه بناء على تجويزه شذوذا ، أو تقدير مبتدأ فيه أي ، ونحن إياك نستعين كما توهم حتى يورد عليه أنه غير فصيح ، أو ينازع في المثال ، وإن كان الاشتغال بمثله ليس من دأب المحصلين ، فيقال : إنّ الزمخشريّ جعل أصك حكاية حال ماضية ، والواو معه عاطفة وتقديره قمت ، وصككت وجهه ، فأبرز في صورة المستقبل حكاية لتلك الحالة العجيبة الشأن ، فإنّ ما ذكره النحاة إذا كان المضارع في صدر جملة أمّا إذا تقدم عليه شيء من متعلقاته ، فيجوز اقترانه بالواو لمشابهته للاسمية صورة ، وقد أشار إلى ما ذكر ابن مالك في تسهيله ، وأمّا تجويز الزمخشريّ الحالية من غير تقدير فيه ، فمعترض عليه كما ستراه ، فاحفظه فإنه مما خفي على أرباب الحواشي .
قوله : ( وقرئ بكسر النون الخ ) هي قراءة الأعمش ونسبت لغيره ، وهي لغة قيس وتميم وأسد وربيعة وهذيل ، وهي مطردة عندهم بشرط أن لا يكون ياء مثناة تحتية لثقل الكسرة على الياء على أنّ بعضهم قال : يجل بكسر ياء المضارع من وجل وقرئ أيضا فإنهم يعلمون ، وهذا مما يقتضى عدم صحة ذلك الاستثناء ، وأن يكون ماضيه مكسور العين كعلم أوفى أوّله همزة