ولا نعبد غيرك وتقديم ما هو مقدم في الوجود والتنبيه على أنّ العابد ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أوّلا وبالذات ، ومنه إلى العبادة لا من حيث إنها عبادة صدرت عنه بل من حيث إنها نسبة شريفة إليه ، ووصلة بينه وبين الحق فإنّ العارف إنما يحق وصوله إذا استغرق في ملاحظة جناب القدس ، وغاب عما عداه حتى أنه لا يلاحظ نفسه ، ولا حالا
شرح
على أنّ الحصر مستفاد من التقديم بل يكفي كون الجملة دالة على الحصر من طريق الخطاب فإنه لدلالته على الأوصاف يدل على الحصر كما مرّ ، ولا يندفع هذا بأن يقال إنه إسناد له إلى أقوى شيء يمكن استناده إليه وأظهره إذ هذه الدعوى غير ظاهرة ، وغير مسلمة عند بعض النحاة كما بيناه ، ولذا قيل : إنه ليس باستدلال بل استئناس له ، وتقديم لذلك ليس للحصر بل للاهتمام لكون الدلالة مقصودة ، وكون لعلة متقدّمة في الوجوه . قوله : ( وتقديم ما هو مقدّم في الوجود ) وفي نسخة المقدّم بالتعريف ، والمقدّم في الوجود مدلول إياك لأنه القديم الواجب وجوده قبل كل موجود فجعل لفظه موافقا لمعناه وهذا إمّا معطوف على التعظيم أو الدلالة ويجوز أيضا عطفه على الحصر ولكونه خلاف الظاهر لم يذهب إليه أرباب الحواشي مع أنه أورد على ما قبله أنّ التقديم المذكور ليس علة للتقديم حقيقة ، وإنما العلة كونه مقدّما في الوجود ، أو تقدّم ما هو مقدّم في الوجود في العبارة وهذا أبعد من نحو ضربته للتأديب ، وإن اشتركا في أنّ المعلل والعلة واحد في الحقيقة والعلة في الحقيقة أثر المذكور أي التقدّم ، والتأدب لنوع اشتراك في المفهوم إلّا أن يقال التقديم هنا بمعنى التقدّم على أنه مصدر المبنيّ للمفعول أي لكونه مقدّما ، أو يؤخر من قدّم بمعنى تقدّم لوروده في اللغة إذ حصول تقديم ما هو مقدّم في الوجود غاية لتقدّم المفعول أو يحصل ضمنه كما إذا قدّم زيد العالم في مجلس يقال قدّم زيد على غيره لتقديم العالم ، وقيل أيضا تقديم ما هو المقدّم عليه لتقدّم المفعول لا العكس كما يقتضيه التركيب إلّا أن يقال : إنه من قبيل ضربته للتأديب لا من قبيل قعدت عن الحرب جبنا ، والمعنى قدّم المفعول ليتحقق تقديم ما هو المقدّم في الوجود فتأمّل . قوله : ( بل من حيث أنها نسبة شريفة إليه ) النسبة معناها في اللغة الوصلة بالقرابة فتجوّز بها هنا عن مطلق الوصلة ولذا عطفها المصنّف رحمه اللّه عليها عطفا تفسيريا ، فالمراد بها التقرّب إلى اللّه بطاعته وهو وصلة معنوية ، وحقيقة العبادة كما في كتاب النشأتين للراغب فعل اختياري مناف للشهوات البدنية يصدر عن نية يراد بها التقرّب إلى اللّه طاعة للشريعة ، وجعلها نفس النسبة ، والوصلة مبالغة في تقريبها إلى اللّه ، فما قيل من أنّ في النسبة هنا استعارة فشبه ما بين العابد والمعبود ، بما بين الطرفين من الارتباط تكلف مستغنى عنه ، وكذا ما قيل من أنّ التنبيه عليه حصل من هيئة تركب الفعل مع المفعول به . قوله : ( فإنّ العارف إنّما يحق وصوله إلخ ) العارف عند أهل السلوك من أشهده اللّه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله ، وأمّا في اللغة والعرف فأشهر من أن يذكر ، ويحق بفتح الياء وضم الحاء وكسرها بصيغة المعلوم بمعنى يثبت ، ويتحقق ويقع بلا شك ، وفعله لازم أو هو من حق بمعنى أوجب ، فالوصول مفعوله واستغرق بمعنى تمحض