والثالث للدلالة على أنه متفضل بذلك مختار فيه ليس يصدر منه لإيجاب بالذات ، أو وجوب عليه قضية لسوابق الأعمال حتى يستحق به الحمد ، والرابع لتحقيق الاختصاص ،
شرح
كون الحكم معللا بالوصف فلما أثبت الحمد لنفسه ووصفه بكونه ربا للعالمين رحمانا رحيما بهم مالكا لعاقبة أمرهم في القيامة دلّ على ثبوت الحمد له قبل الشرع وبعده ، فكأنّ المصنّف رحمه اللّه أشار بما ذكر إلى الردّ عليه ، فإنه بيان من اللّه لإيجابه فهو سمعيّ لا عقليّ فما ذكر دليل عليه لا له فتدبر . قوله : ( متفضل بذلك ) المذكور من الإيجاد والتربية ، ودلالتهما عليه لأنّ المراد بالرحمة في حقه تعالى أثرها من التفضل والإحسان الاختياريين وضمير يصدر راجع إلى ذلك ، وانتفاء الإيجاب بالذات يلزم من كونه مختارا إن فسر الاختيار بصحة الفعل والترك ، فإن كان المختار من إن شاء فعل وإن شاء ترك لم يلزمه انتفاء الإيجاب ، ففيما ذكره المصنّف رحمه اللّه نظر ، وجوابه يعلم مما مرّ ، وهو ردّ على الفلاسفة وتحقيقه في الأصول .
وقوله أو وجوب عليه ردّ على المعتزلة فإنهم يزعمون وجوب أمور عليه تعالى كثواب المطيع ورعاية الأصلح ، وما قيل في بيانه من أنّ الأعمال السابقة من العبد توجب على اللّه الآلاء اللاحقة به كما قال تعالى :لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ[ سورة إبراهيم ، الآية : 7 ] وما أورد عليه من أنّ المعتزلة لا يقولون بالوجوب عليه تعالى في غير الثواب والعقاب ، كما بيّن في الكلام ليس بشيء ، وقوله قضية مصدر أو اسم مصدر بمعنى القضاء كالعطية بمعنى العطاء والقضاء بمعنى الأداء ، كما في قوله تعالى :فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ[ سورة النساء ، الآية : 103 ] أي أديتموها وقيل الحكم .
وفي المصباح إنّ استعمال الفقهاء القضاء لما يفعل خارج الوقت مقابلا للأداء اصطلاح مخالف للوضع اللغويّ ، وهو تعليل للوجوب يعني أنّ الوجوب عندهم لقضاء حق الأعمال السابقة من العبد وأدائها ، وهو منصوب على أن مفعول لأجله لقوله وجوب ، وقيل ليصدر من حيق التعلق بالوجوب واللام متعلقة بقضية ، ونصبه مع أنه ليس فعلا لفاعل الفعل المعلل لأنه في الحقيقة علة لما هو مضاف إليه الوجوب معنى ، وهو الإيجاد والتربية على أنّ الرضى لم يرض اشتراط ذلك ، والمراد بقضاء سوابق الأعمال الإتيان بمثلها من الجزاء ، وهذا علة لبعض ما يوجبونه عليه ، ومعنى الوجوب عليه اللزوم في موجب الحكمة بحيث يحكم العقل بامتناع عدم صدور الفعل منه ، وقد يضم له أنه لو لم يفعل يستحق الذم بمخالفته الحكم ، وانتفاؤه يلزم منه كونه متفضلا كذا قيل ، وأورد عليه أنه يصير المعنى حينئذ ليس إيجاده وتربيته لقضاء سوابق الأعمال ، وهو وإن تصوّر في بعض أفراده القريبة لا يتصوّر في الإيجاد أن يكون لقضائها ، وقد علمت سقوطه مما مرّ وإن كانت العبارة لا تخلو عن قصور مّا . قوله : ( حتى يستحق به الحمد ) هو غاية لقوله متفضل بذلك مختار ومستقبل بالنسبة إليه ، فيجوز فيه الرفع والنصب كما في قوله تعالى :وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ[ سورة البقرة ، الآية : 214 ] وقيل