تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
. . .
شرح
يحتمل أنه ذكر اللّه ذلك حكاية عن العباد تعليما لهم ، فحصول التميز والتعلّق على ظاهره لكن قوله خوطب ليس على ظاهر إذ هو تعالى ليس بمخاطب في تلك المرتبة بل المراد منه حكاية خطابه تعليما ، ويحتمل أن يراد ذكر العباد ذلك في مقام الحمد والقراءة كما علمهم ، فحصول التمييز والتعلق بالنسبة إلى من عنده التمييز والعلم باعتبار التفات جديد لازم للقراءة والخطاب على ظاهره ، وقيل وجه سببية الذكر والوصف المستلزمين للتميز والعلم التنزيل الغائب بواسطة أوصافه المذكورة التي أوجبت تميزه وانكشافه حتى صار كأنه يبدل خفاء غيبته بجلاء حضوره منزلة المخاطب في التميز والظهور فيصح إطلاق ما هو موضوع للمخاطب عليه ، وظاهره أنّ الحق سبحانه لا يخاطب حقيقة ولا يظهر وجه لصحته كيف ولا يشترط في الخطاب إلّا السماع لا المشاهدة والعيان ، وإلّا يلزم أن لا يخاطب الأعمى حقيقة ولا من هو خارج الدار من في داخلها ولم يقل به أحد انتهى . ( أقول ) هذا مشكل من أهمّ المهمات بيانه وكلام كتب المعاني كلها أو جلّها ناطق بمثل باردة ، فلا بدّ من بيان معنى الخطاب المدلول عليه بضمائره ونحوها فإنه إن قيل إنّ حقيقته توجد إذا اجتمع المتخاطبان بحيث يرى كل منهما الآخر ، ويسمعه لم يكن خطاب الداعين للّه حقيقيا ، وكذا خطاب الأعمى ومن هو خارج الدار ونحوه والبداهة شاهدة بخلافه ، فإن لم يشترط ذلك لزم أنّ كل من وجه له الخطاب غائبا كان أو حاضرا مخاطب حقيقة ، وفساده ظاهر فلا بدّ من بيان المراد منه حتى تتميز حقيقته من مجازه ، والذي لاح لي بعد إمعان النظر فيه أنّ كل شيء له تحقق في الخارج ونفس الأمر وتحقق ذهنا باعتبار دلالة العبارة عليه ، ولا تلازم بينهما فتحقق الخطاب في الأوّل بحيث يعدّ حقيقة يكفي فيه سماع المخاطب ووجوده عنده ، وإن لم يحوهما مكان واحد ولم يركل منهما الآخر فالعبد يخاطب اللّه في دعائه حقيقة لسماعه دعاءنا وهو معنا ، وأمّا باعتبار استعمال ما وضع للخطاب كضمائره ، فإن وقع ذلك ابتداء في حال التكلّم كان مدلولها مخاطبا حقيقة ، وإلّا فلا ، وإن وقع في أثناء الكلام ينظر لما قبله فإن كان لفظا موضوعا للمخاطب ، فكذلك هو حقيقيّ حتى يعدّ ما خالفه التفاتا ، وإلّا فهو مجازي ، لأنّ الحكم وقع عليه أوّلا من غير دلالة على توجه النفس إليه توجه الخطاب سواء كان كذلك أو لا حسبما يقتضيه الحال ألا ترى الرجل بين يدي الملك لمهانته يخاطب بعض خدّامه ، ويقول أنا راج أن يحسن إليّ السلطان ويخلصني بعدله من العدوان ، ولا يعدّ التعبير بالغيبة فيه مجازا والتفاتا مع أنه بمسمع منه ومرأى ، وهكذا جرى القياس ومتعارف الناس ، ولما كان الغالب المتعارف كون المخاطب حاضرا محسوسا وغيره ليس كذلك جعلوه معيار الحقيقة والمجاز ، ولما ذكر اللّه هنا بطريق الغيبة جعل إجراء الأوصاف المعينة لتميزه في قوّة التعبير عنه بما يدل على الخطاب ، ولما لم يكن كذلك حقيقة جعل التفاتا وهو الذي عناه ذلك الفاضل ، فبينه وبين ما أورد عليه بعد المشرقين ، وقد وضح الصبح لذي عينين ، وهذا سرّ حديث :