سائر الذوات ، وتعلق العلم بمعلوم معين خوطب بذلك أي يا من هذا شأنه نخصك
شرح
« الإحسان : أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 1 » كما قال الشاعر :وإني لأرجو اللّه حتى كأنما * أرى بجميل الظنّ ما اللّه صانعقوله : ( أي يا من هذا شأنه إلخ ) فيه إشارة إلى المرجح بعد المصحح ، وكأنّ الخطاب المعلل بهذه الفوائد مسبب عما تقدّم ، ولما كان في إطلاقه عليه ملاحظة لتلك الأوصاف صار الحكم مرتبا على الوصف المناسب ، فكأنه قيل يا من اتصف بتلك الأوصاف ، وتميز بها نعبدك فيشعر من طريق المفهوم باختصاص العبادة به ، فيكون ما خوطب به أدل على الاختصاص من إياه نعبد لاشتراكهما في الدلالة على الاختصاص بالتقديم ، واختصاص الأوّل بالدلالة من طريق المفهوم أو المعنى ليكون الخطاب أدل على الاختصاص من الغيبة ، لأنه ربما يفهم من الصفات السابقة معه لا به ، وقال قدّس سرّه : حاصل ما ذكر أنه لو قيل إياه نعبد وإيّاه نستعين كما يقتضيه السياق ظاهرا لم يكن فيه دلالة على أنّ العبادة له والاستعانة به لأجل اتصافه بتلك الصفات المجراة عليه وتميزه بها عن غيره ، لأنّ ذلك الضمير راجع إلى ذاته بمقتضى وصفه ، وليس فيه ملاحظة لأوصافه ، وإن اتصف بها فالحكم متعلّق بذاته فلا يفهم منه تسببه عرفا ، وإذا قيل إياك بدله نزل الغائب بواسطة أوصافه المذكورة الكاشفة له كما مرّ منزلة المخاطب في التميز والحضور ، وأطلق عليه ما هو موضوع له ، ففهم منه عرفا أنّ ذلك لتميزه بتلك الصفات ونظير إياك هنا اسم الإشارة الآتي في قوله أولئك على هدى ، فإثبته له في الخطاب بطريق برهاني بخلاف الغيبة فلذا قال أدل . قوله : ( نخصك بالعبادة إلخ ) قال الفاضل الليثي : فيه تصريح بفائدة التقديم والخطاب والباء داخلة على المقصور لأنّ الاختصاص والتخصيص والخصوص يقتضي بحسب مفهومه الأصلي دخول الباء في المقصور عليه كقوله مخصوص بالمعبود بالحق ، وهذا عربي كثير إلّا أنّ الأكثر في الاستعمال دخولها على المقصور ووجهه استعمال مادّة التخصيص في معنى التمييز أو التميز لكون تخصيص شيء بآخر في قوّة تمييز الآخر به أو تميزه به ، وقد تبع في الشريف قدّس سرّه كما حققه في حواشيه على المطوّل حيث قال معنى نخصك بالعبادة نميّزك ، ونفردك من بين المعبودين فتكون العبادة مقصورة عليه تعالى ، وكذا قوله واختص بوا أي ميز المندوب عن المنادي بوا فتكون مختصة بالمندوب وكذا قوله تعالى :يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ[ سورة آل عمران ، الآية : 74 ] وبالجملة تخصيص شيء بآخر في قوّة تمييز الآخر ، وأمّا أن يجعل التخصيص مجازا عن التمييز مشهورا في العرف حتى صار كأنه حقيقة فيه ، وأمّا أن يجعل من باب التضمين ، فيلاحظ المعنيان معا وتكون الباء
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 4777 من حديث أبي هريرة مطوّلا .
وأخرجه مسلم 8 وأبو داود 4697 والترمذي 2610 والنسائي 8 / 97 وابن ماجة 63 من حديث عمر ابن الخطاب .