الشريعة ، وقيل الطاعة ، والمعنى يوم جزاء الدين ، وتخصيص اليوم بالإضافة ، أمّا لتعظيمه أو لتفرّده تعالى بنفوذ الأمر فيه وإجراء هذه الأوصاف على اللّه تعالى من كونه ربا للعالمين
شرح
كما سمعته يكون بمعنى الملة ، وهي أعم من الدين لشمولها الدين الحق وغيره ، وهو مقول عليهما بالاشتراك اللفظيّ كما قال تعالى :لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ[ سورة الكافرون ، الآية : 6 ] وهو كثير في القرآن ، ومن عرّفه بما عرفت به الشريعة نظر لمعناه الغالب المتبادر منه عند الإطلاق فلا وجه للاعتراض عليه ، ومرضه المصنّف رحمه اللّه لأنه معنى مجازيّ ، ومحتاج للتقدير عنده كما أشار إليه قوله : ( والمعنى يوم جزاء الدين ) قدّره لأنه ليس يوما للتكاليف ، وإنما هو للجزاء وهو على التفسيرين قيل ، وهو على الأوّل بتقدير مضاف أي جزاء أحكام الشريعة أو جزاء قبول الدين وترك قبوله أو جزاء العمل به من الثواب والعقاب ، ويجوز أن تكون إضافته لما بينهما من الملابسة باعتبار الجزاء من غير تقدير ، وقيل البلاغة تحكم بأولوية عدم التقدير إذ يقال في يوم ظهور سلطان أحد وغلبة ما يتعلق به إنّ اليوم يوم فلان ، فبذلك الاعتبار يقال يوم الشريعة أيضا ، وقيل أيضا إن كان المراد بالطاعة العبادة احتاج إلى التقدير ، فإن أريد الانقياد المطلق كما فسر به في كتب اللغة ، فلا حاجة للتقدير ، فإنّ الناس في الدنيا بين منقاد وغير منقاد بخلافهم في ذلك اليوم لانقياد الكل ظاهرا وباطنا وهو وجه وجيه . قوله :
( وتخصيص اليوم بالإضافة إلخ ) الإضافة مصدر المبنيّ للمفعول أي إضافة مالك أو ملك إلى يوم الدين مع كونه مالكا للأيام كلها ولجميع الأمور وهذا هو المراد ، وقد قيل إنه محتمل لوجوه أربعة لأنه إمّا بمعنى كونه مضافا إليه أو كونه مضافا إلى الدين وعليهما مدخول الباء مقصور أو مقصور عليه ، وقوله : ( لتعظيمه ) أي لتعظيم اليوم المستلزم لتعظيم مالكه ، ويجوز أن يكون الضمير للّه للعلم به من السياق ، وقوله : ( بنفوذ الأمر فيه ) يقال : نفذ الأمر نفوذا ونفاذا بالذال المعجمة بمعنى مضى وقيل على الفور بلا تردّد وأصله من نفذ السهم في الرمية إذا خرقها ، وأمّا نفذ بالمهملة فمعناه فني وانقطع والأمر هنا مقابل النهي ، وفي نسخة الأمور بالجمع . قال الليثيّ في حواشيه : الظاهر الأوامر به له أي خص لتفرده بالتصرّف فيه إذ الأمر يومئذ للّه الواحد القهّار ، ولا ملك لأحد سواه بخلاف أيام الدنيا فإنّ لغيره فيها أمرا ونفوذا ظاهرا وإن كان المنفذ له في الحقيقة هو اللّه ، وما ادّعى ظهوره بناء على ما تعارفوه ، ووقع في كلام الأصوليين من أنّ الأمر بمعنى القول المخصوص يجمع على أوامر ، وبمعنى الفعل والشأن على أمور وهو مما تفرّد به الجوهريّ واللغة وقواعد العربية لا تساعده وفيه كلام طويل ، قيل والأحسن أن يقال : إنه للإشارة إلى المعاد بعد الإشارة إلى المبدأ بقوله ربّ العالمين ، وبما بينهما لما بين النشأتين كأنه قيل الحمد لمن منه الابداء وبإحسانه البقاء وبحكمته إليه الانتهاء ، وهو غفلة عما بعده ، فإنّ ما ذكر مأخوذ من إجراء تلك الصفات كما أشار إليه المصنّف رحمه اللّه ، فهذا أتم فائدة ، وأطلق الإضافة ليشمل القراءتين وقيل الأوّل علة لكونه مالكا ، وهذا لكونه ملكا كقوله تعالى :الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ[ سورة الفرقان ، الآية : 26 ]