موجدا لهم منعما عليهم بالنعم كلها ظاهرها وباطنها عاجلها وآجلها مالكا لأمورهم يوم
شرح
واليوم معروف كما مرّ وإطلاقه هنا على التشبيه لأنه زمان له مبدأ ومنتهى كما قال تعالى ، وإنّ يوما عند ربك كألف سنة ، وقيل خص لإفادة ملكه لجميع الأمور لدلالة تملك الزمان والمكان على تملك ما فيه كما مرّ وهو يرجح كون الإضافة لامية لا على معنى في لأنّ كونه مالكا في يوم الدين لا يقتضي العموم كما قاله قدّس سرّه . قوله : ( وإجراء هذه الأوصاف إلخ ) الإجراء هنا مستعار من إجراء الماء إلى ما يستقى به أو من إجراء الوظيفة على من يأخذها بمعنى إيصالها إليه من غير انقطاع ، وهو حقيقة عرفية ، وإن استعير من الأوّل لجعله صفة تابعة لموصوفها وصار هذا حقيقة عند المصنفين أيضا ، وهذا ملخص ما في الكشاف كما بيّنه شراحه .
وقوله من كونه ربا هكذا هو في أكثر النسخ من كونه ربا للعالمين موجدا لهم ، وفي نسخة موجدا للعالمين ربا لهم وفي أخرى ربا موجدا للعالمين ربا لهم ، وهذه أقلها ولا معول عليها والكل متقاربة ولا خفاء فيه ، والتربية دالة على الإيجاد تضمنا أو التزاما فتقديم كونه موجدا رعاية للترتيب في الوجود وتأخيره لتقدّم ما يدلّ عليه رتبة ، وقيل إنه لما كانت تربيته للعالمين أنه رقاهم في مدارج الكمال فإفاضة الوجود وإعداد أسباب الكمالات وكان الإيجاد مبدأ التربية جعله كأنه خارج عنها ، والأحسن ما قيل من أنّ قوله موجدا وما بعده تفصيل لربوبيته ، وقوله ربا لهم تعميم بعد تخصيص لمزيد الاهتمام لأنّ الكمال الأوّل الذي هو أساس جميع الكمالات لا ينبغي إخراجه من مفهوم الربوبية مع أنّ ربوبيته لهم بإضافة سائر الكمالات لا تستلزم كونه موجدا لهم ، ولا حاجة إلى أن يقال إنه مبنيّ على كون الربّ بمعنى المالك وموجدا ، وربا خبرا كون ، أو أحدهما خبر والآخر حال . قوله : ( منعما عليهم إلخ ) هذا تفصيل لمعنى الرحمن الرحيم فقوله : بالنعم كلها من فحوى كونه المعطي للجلائل والدقائق ، فإنه عبارة عن العموم والشمول كما مرّ ، وفصل عمومه وفسّره بقوله ظاهرها وباطنها . وقوله :
( عاجلها وآجلها ) من كونه رحمن الدنيا والآخرة ، فلا وجه لما قيل من أنّ ما ذكر فهم من قرينة ذكرهما في مقام المدح وإنّ الأنسب ذكر جليلها وحقيرها بدل قوله ظاهرها وباطنها ، فإنه مذكور في تفسير الرحمن الرحيم ، وقد تبع الزمخشريّ في الظاهر والباطن ، وزاد عليه العاجل والآجل تفسيرا لهما ، فإن النعم الدنيوية ظاهرة والأخروية باطنة ، ومما هو مشهور معروف أنّ الدنيا ظاهر والآخرة باطن قال تعالى :يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ[ سورة الروم ، الآية : 7 ] ولم يعد لفظ من كونه كما في الكشاف لأنّ المجموع عنده وجه واحد وإعادته تشعر بالاستقلال وقال قدّس سرّه : إنّ الوصف الأوّل متعلّق بالإبداء والثاني والثالث بالبقاء والرابع بالإعادة وهو ظاهر ، وليس مبنيا على أنه فسّر الربّ بالمالك كما توهم .
قوله : ( مالكا إلخ ) الثواب والعقاب من الدين كما مرّ ، وهو تفسير له على القراءتين لأنّ كلا منهما يؤدّي مؤدّى الآخر إذ لا منافاة بينهما ألا ترى قوله تعالى :مالِكَ الْمُلْكِ[ سورة آل