تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
أنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر ، والأعراض يعلم بها الصانع كما يعلم بما أبدعه في العالم ، ولذلك سوّى بين النظر فيهما ، وقال تعالى :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
[ سورة الذاريات ، الآية : 21 ] وقرئ ربّ العالمين بالنصب على المدح أو النداء ، أو
شرح
في الجملة إذ بدن الإنسان بمنزلة العالم السفليّ ، وأخلاطه كعناصره ، فالسوداء كالأرض والتراب لكونها باردة يابسة ، والبلغم كالماء لكونه باردا رطبا ، والدم كالهواء حارّ رطب ، والصفراء كالنار حار يابس ، ورأسه بما فيه من الحواس الظاهرة والباطنة على رأى ، كالعالم العلوي لأنه منبت للأعضاء التي هي محل الحس ، والحركة كما أنّ العالم العلوي منوط به أمر السفليات على ما قال تعالىيُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ[ سورة السجدة ، الآية : 5 ] ما مع انفرد به من الكمالات المتنوّعة ، والهيئات النافعة ، والمناظر البهية ، والتراكيب العجيبة المبنية في علم التشريح ونحوه مما لا يحصى ، كالتمكن من الأفعال الغريبة ، واستنباط الصنائع المختلفة ، فسبحان من زوّج الآباء العلوية بالأمّهات السفلية ، ونقل نسخ الوجود بقلم قدرته العلية إلى الصحف المكرّمة الإنسانية . قوله : ( من الجواهر والأعراض ) يجوز أن يكون بيانا للنظائر ، ولما أضيف إليه ، قيل والأوّل أظهر ليكون قوله يعلم بها متعلقا بما هو أقرب وفي قوله بما أبدعه في العالم إشعار بأنّ المشبه به مبدع بخلاف المشبه لنكتة ، وهي أنه لما جعله نظيرا للعالم الكبير كان مسبوقا بالمثل في الجملة ، وإن كان نوعه باعتبار صورته الخاصة به مبدعا على أحسن تقويم . ومن لم يتنبه له أورد عليه أنّ الإبداع إيجاد الشيء من غير سبق مثال وهذا متحقق بالنسبة إلى العالم الصغير والكبير . قوله : ( ولذلك سوّى إلخ ) ذلك إشارة إلى الاشتمال على النظائر المعلوم مما قبله ، والنظر بمعنى الابصار بالعين ، وبمعنى التفكر ، والتفات النفس بالبصيرة للمعاني ، وهو المراد هنا لتعديه بفي ، وهو في الأصل مصدر شامل للقليل والكثير ، وحقه أن لا يثنى ، ولا يجمع فلذا أفرده ، فلا وجه لما قيل من أنّ الظاهر أن يقال بين النظرين لاقتضاء بين التعدّد ، فكأنه اكتفى بالتعدّد المعنويّ من قوله فيهما ضرورة أنّ النظر في أحدهما عين النظر في الآخر انتهى ، وضمير فيهما عائد على العالم الكبير والصغير ، وهو الإنسان والتسوية واقعة في النظم ، أمّا في قوله تعالىوَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ . وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ[ سورة الذاريات ، الآية : 20 - 21 ] وهو الظاهر أو في قولهسَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ[ سورة فصلت ، الآية : 53 ] وقوله : ( وقال إلخ ) معطوف على قوله سوّي عطف تفسيريّ ، فتكون التسوية إشارة إلى الآية الأولى أو هو أمر مستقل مغاير لما عطف عليه ، فالتسوية بما في الآية الثانية وهي سنيريهم إله . وقوله وفي الأرض إن أريد به ظاهره فتخصيصها من بين دلائل الآفاق لظهورها لمن على ظهورها ، وفي قولهأَ فَلا تُبْصِرُونَ *من غير تمييز بين الإبصار المتعلق بالأنفس ، والمتعلق بما يقابلها إشارة إلى شدّة ظهورها إذّ سوّى بين المحسوس وغيره حتى ، كأنّ الجميع محسوس . قوله : ( وقرئ ربّ العالمين بالنصب إلخ ) مثل هذا النصب على القطع ، وكونه على المدح مستفاد من المقام إذا قدر أمدح وليس بمتعين فقد يقدر