سنذكره
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
قرأه عاصم والكسائي ويعقوب ، ويعضدة قوله
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
[ سورة الانفطار ، الآية : 19 ] وقرأ الباقون ملك ، وهو
شرح
الألوهية مكرّرة أيضا فتدبر . قوله : ( قرأه عاصم إلخ ) ضمير قرأه راجع إلى مالك بالألف لأنه معلوم من تقدّم ذكره ، ويعضده بمعنى يؤيده ويقوّيه ، يقال عضده إذا صار له عضدا أي معينا وناصرا ، وأصل العضد في اليد من المرفق إلى الكتف فاستعير للمعنى المذكور ثم شاع حتى صار حقيقة فيه وجعل هذه الآية مؤيدة لهذه القراءة لأنها مأخوذة من الملك بالكسر ، وسيأتي الفرق بينه وبين الملك بالضم ، فإنّ المراد باليوم فيها يوم القيامة ، وهو يوم الدين أيضا ، ونفى المالكية عما سواه يقتضي إثباتها له إذ السياق لبيان عظمته تعالى ، ومجرّد نفي المالكية عن غيره لا يقتضيها بشهادة الفحوى والذوق ، وتنكير الأسماء الثلاثة للتعميم ، وتعميم الأخير لشموله الضرّ والنفع والقليل والكثير ، وأورد عليه أنّ قولهوَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ[ سورة الانفطار ، الآية : 19 ] ظاهره يعضد قراءة ملك لمناسبته للأمر مناسبة تامّة ، وقد فسّره في التيسير وغيره بأنّ الحكم حكمه ولا قاضي سواه ، وهو صريح في إثبات الملك بالضم له ، ولذا قيل إنه يؤيد خلاقه وقيل إنها مقوّية ، ومؤيدة لا نص موجب لمدّعاه فيكفي موافقة معناه لأوّلها مع أنّ آخرها موافق له أيضا فإنّ المراد بالأمر المالكية فلما نفاها أوّلا عن غيره صرّح بعده بإثباتها على العموم له كما هو المعروف في أمثاله من التذييل ، نعم هو على هذا بمنطوقه مؤكد لمفهوم ما قبله ، ولو فسر الأمر بالملك بالضم كما مرّ أو بالأعمّ منه كان تأسيسا متضمنا للتأكيد على وجه أبلغ ، ومن هنا ظهر ضعف ما قيل أنه تعالى لما نفى مالكية أحد لشيء على العموم أثبت بعده أنّ جميع الأمور مملوكة له تعالى في ذلك اليوم ، فلا يشاركه أحد في مالكية شيء منها ، وهو معنى مالك يوم الدين ولا وجه لكونه مشتقا من الملك بالضم ، لأنّ المقام يقتضي نفي التصرّف مطلقا لا نفي التصرّف بطريق التكليف فقط ، والقرآن يفسر بعضه بعضا ، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري هو التاسع من القرّاء العشرة . قوله : ( وقرأ الباقون ملك ) أورد عليه أنّ قراءة خلف بن هشام توافق القراءة الأولى ، وردّ بأنّ المراد بالباقين هنا باقي الثمانية الذين قدّم المصنف ذكرهم بقوله الأئمة الثمانية المشهورون ، وقوله وهو المختار قيل عليه قد رجح كل فريق إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحا يكاد يسقط مقابلتها وهو غير مرضيّ لتواترهما ، وقد روي عن ثعلب أنه قال : إذا اختلف إعراب القراءات السبعة لا أفضل إعرابا على إعراب في القرآن بخلاف ما إذا وقع في كلام الناس ، وقريب منه ما قيل لو أبدل المختار بالأبلغ ، كان أولى لتواترهما ووصف إحداهما بالمختار يوهم أنّ الأخرى بخلافه .
وأنا أقول في الفقه الأكبر أنّ الآيات لا يكون بعضها أفضل من بعض باعتبار التلاوة إنما يكون باعتبار المعنى ، فسورة الإخلاص مثلا أفضل معنى من سورة تبت لأنّ معنى الأولى توحيد وهذه في صفة بعض الكفار ، والأوّل أفضل من هذه الجهة كآية الكرسي ، ولا شبهة أيضا في أنّ بعض القراءات أفصح من بعض كقراءة ابن عامرقَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ[ سورة