شرح
احتياجهما حالة البقاء له لدوام المعلول بدوام العلة واللازم باطل لأنّ التأثير حينئذ إمّا في الوجود وقد حصل بمجرّد وجود المؤثر فيلزم تحصيل الحاصل بحصول سابق ، وأما في البقاء أو في أمر آخر متجدّد وهو التأثير في غير الثاني أعني الممكن والحادث ، فيلزم استغناؤهما عن المؤثر وفي كون الإمكان علة الاحتياج فساد آخر ، وهو احتياج الممكن إلى المؤثر حال عدمه السابق مع أنه نفي محض أزليّ لا يعقل له مؤثر ، وأجيب بأنّ معنى احتياج الممكن أو الحادث إلى المؤثر توقف حصول الوجود له أو العدم أو استمرارهما على تحقق أمر أو انتفائه بمعنى امتناعه بدون ذلك ، وهو معنى دوام الأثر بدوام المؤثر ، وإذا تحققت فاستمرار الوجود أعني البقاء ليس إلّا وجودا مأخوذا بالإضافة إلى الزمان الثاني ، وصحة قولنا وجد ولم يبق ولم يستمر لا يدلّ على مغايرة البقاء لمطلق الوجود ولا نزاع في ذلك فتدبر قوله : ( واجب لذاته ) أي واجب ولازم وجوده من ذاته لذاته بحيث لا يستند لغيره ، ويحتاج إليه قيل : هذا بناء على ما يقال بعد هذا الدليل ، وهو مؤثر العالم إن كان واجب الوجود فهو المطلوب ، وإلّا كان ممكنا فله مؤثر ، ويعود الكلام فيه ويلزم الدور أو التسلسل أو الانتهاء إلى مؤثر واجب الوجود .
والأوّلان باطلان فتعين الثالث وهو مبنيّ على كون المحوج هو الإمكان وهو مختار المصنّف رحمه اللّه تعالى في الطوالع ، ومن حكم بأنه الحدوث ، أو الإمكان معه ، أو بشرطه انسدّ عليه باب إثبات الواجب لجواز أن يكون علة الحوادث ممكنا قديما ، ولا حاجة إلى سبب على هذا التقدير ، ولذا من تمسك بالحدوث في إثبات الصانع ، ولم يجعل الإمكان وحده محوجا للمؤثر ما أثبت إلّا قديما تنتهي إليه الحوادث كما صرّحوا به ، وبهذا يظهر ضعف ما نقل هنا عن المصنّف رحمه اللّه تعالى ، وهو قوله لو قال بدل قوله لإمكانها لحدوثها ، أو ضم له الحدوث كان أحسن لأنّ علة الافتقار هي الحدوث ، أو الإمكان بشرط الحدوث أو كلاهما ، ويجوز على بعد حمل كلام المصنّف رحمه اللّه على ما يوافق مذهب المتكلمين بأن يقال أراد بالافتقار سببه المستلزم له وهو الحدوث ، أو يقال جعل جهة الدلالة الإمكان والافتقار ولم يجعل الافتقار مسببا عنه وحده فلعله مسبب عنهما ، والوجه ما تقدّم .
( أقول ) فيه بحث من وجوه :
الأوّل أنّ قوله ويلزم الدور إلخ . الأولى تركه لأنّ إثبات الواجب لا يتوقف برهانه على ذلك كما فصل في الرسالة الجلالية وشروحها ، إذ على تقدير التسلسل يقال مجموع الممكنات أيضا ممكن محتاج إلى مؤثر واجب الوجود لذاته ، والحاصل أنّ كل فرد من الجوهر والعرض يدلّ على وجود الواجب ، وهو ممكن مفتقر إلى مؤثر والمؤثر لا بدّ أن يكون واجبا بلا واسطة ، أو معه وإلّا تسلسل ، وكل سلسلة أيضا ممكنة تحتاج إلى الواجب ، وإلّا يلزم علة الشيء لنفسه .