النحل ، الآية : 53 ] وفيه إشعار بأنه تعالى حي قادر مريد عالم إذا الحمد لا يستحقه ، إلا من كان هذا شأنه وقرئ الحمد للّه باتباع الدال اللام ، وبالعكس تنزيلا لهما من حيث أنهما
شرح
فالوسايط بمنزلة الشروط والآلات ولا مؤثر سواه ، وهو مذهب المشايخ والحكماء أيضا كما في الإشارات قوله : كما قال تعالىوَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ[ سورة النحل 53 ] ذكره مؤيد الكون كل خير منه إذ لا فرق بين الخيرات المتعدية والقاصرة أو أنعم هنا بمعنى أعطاه اللّه وأوجده مطلقا وفي هذه الآية إشكال سيأتي في كلام المصنّف دفعه قال ابن الحاجب في إيضاح المفصل : الشرط وما شبه به الأوّل فيه شرط للثاني نحو أسلم تدخل الجنّة وهنا على العكس ، وهو أنّ الأوّل استقرار النعمة بالمخاطبين ، والثاني كونها من اللّه عزّ وجلّ ، ولا يستقيم أن يكون الأوّل فيه سببا للثاني لكونه فرعا عنه ، وتأويله أنّ الآية جيء بها لإخبار قوم استقرّت بهم نعم جهلوا معطيها وشكوا فيه فاستقرارها مشكوكة أو مجهولة سبب للإخبار بكونها من اللّه عزّ وجلّ ، وجواب الشرط جملة قصد تبيين مضمونها ، أو الإعلام بها فيصير الشرط سببا للمشروط ومن ثمة وهم من قال إنّ الشرط قد يكون مسببا انتهى قيل : ويمكن أن يقال وجود النعمة بهم سبب لكونها من عند اللّه إذ كونها من عند اللّه متوقف على أصل الكون ، وقد ذكر الرضى أنّ الشرط يدلّ على لزوم الجزاء للشرط ولا يخفى ما فيه من التعسف ، وما نقله عن الرضى هو ما قال ابن الحاجب إنه وهم وسيأتي فيه كلام في محله قوله : ( وفيه إشعار إلخ ) أي في قوله الحمد للّه ، أو في إثبات الحمد له ، وهو من اعتبار الاختيار فيه ، ولذا قيل إنّ فيه إشارة إلى إيثار الحمد على المدح أيضا لا في اختصاص جميع المحامد به تعالى كما توهم لما فيه من التكلف ، وقيل بل فيه إشعار بثبوت جميع الكمالات له تعالى ، إذ يفهم منه اختصاص جميع أفراد الحمد ، وكل كمال يصلح لأن يقع في مقابلة حمد ، فالمستحق لجميع المحامد متّصف بجميع الكمالات ، والإشعار الذي ذكره بناء على أنّ المحمود لا بدّ له من أن يكون مختارا ، والمختار يتصف بتلك الصفات ، وقدرته تعالى عند أهل الحق كونه بحيث يصح منه صدور الفعل وعدم صدوره بالقصد ، والقدرة في الحيوان مصححة للفعل وعدمه ، وإرادته تعالى صفة مخصصة لأحد المقدورين ، وقيل هي في الحيوان شوق يؤدّي إلى حصول المراد ، وقيل إنها مغايرة للشوق إذ هي ميل اختياريّ ، والشوق ميل طبيعي ، وإرادة اللّه عند الحكماء علمه بنظام الكلّ على الوجه الأكمل ، فإنّ العلم عندهم من حيث أنه كاف ، ومرجح لطرف وجوده على عدمه إرادة ، والحياة في الحيوان صفة تقتضي الحس والإرادة ، وحياة اللّه عند المتكلمين صفة مصححة للقدرة والإرادة وقال الحكماء الحيّ الدرّاك الفعّال وفي إشعار الحمد باتصافه بالحياة والعلم والقدرة ، والإرادة على مذهب المتكلمين نظر إلّا أن يقال الحمد مشعر بأصل الاتصاف ، وكيفيته معلومة من خارج ، والحق أنه يفهم من اتصاف إنسان ما بالاختيار اتصافه بهذه الصفات ، فمن يعتقد اتصافه بالاختيار أيضا يعتقد تلك الصفات في حقه لكن مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إلى الإنسان ، وإليه أشار بقوله إذ الحمد إلخ قوله : ( وقرئ إلخ )