تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
وهو موليه بوسط ، أو بغير وسط كما قال تعالى :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[ سورة
شرح
القائم به ليس حمد اللّه تعالى لامتناع وصفه بصفات العباد وإن خلقها ، والمتبادر من كون الحمد للّه أنه المستحق له وأنه محمود له إلّا أن يراد بالحمد المحمدة ، فإنّ كل محمدة له تعالى إما لكونها صفة له أو صادرة منه أو يراد بكون الحمد له أعم من كونه متعلقا به تعلّق الفعل بالمفعول به ، أو مستند إليه باعتبار استناد المحمود به أو المحمود عليه إليه خلقا ، أو يقال لما كان كل جميل إمّا له أو منه فإذا حمد العبد على فعل الجميل ، فكأنه حمد اللّه على خلقه فيه ووصفه بما يليق بشأنه ويأباه قوله في الحقيقة وقد ذكر في سبأ ما يدلّ على أنّ بعض أفراد الحمد يستحقه العبد حيث قال ثمة إنّ تقديم الصلة للاختصاص ، فإنّ النعم الدنيوية قد يتوسط فيها من يستحق الحمد لأجلها بخلاف نعم الآخرة انتهى . وقد اعترض عليه بأنّ ظاهره أنّ شيئا من حمد العبد لا يحمد به اللّه تعالى ، ولا يخفى أنّ المحمود به وعليه إذا كان وصفا بينه وبين عباده ، كالعلم والجود يصح أن يقال إنه المستحق له إذا جرّد عن إضافته للعبد إلّا أن يكون ذلك مما تنزّه عنه سبحانه اللهمّ إلّا أن يقال هذا على رأي من يقول لا اشتراك بين اللّه وغيره في شيء من الصفات إلّا بحسب اللفظ ، فالوجه أن يقال أنه لم يرد بكون الحمد كله للّه جعله محمودا بعين تلك المحامد موصوفا بتلك الأوصاف نفسها ، ويدلّ عليه قوله : ( ما من خير إلخ ) إذ الإيلاء لا يقتضي الاتصاف بل يريد أنّ كلّ حمد لسواه مستلزم لحمد اللّه وهو أنه مولى لتلك النعمة وموصلها فهو حامد بلسان الحال ، والأوّل كالمعدوم في جنب الثاني بمنزلة الواسطة إلى المقصود ففي الحقيقة لا وجود لمحامد الغير ، وإنما الموجود في كل حمد حمده ، وأيضا حمل الحمد على المحمدة ، قيل إنه لا يفيد لأنّ الكلام في الحمد بمعناه الحقيقيّ لا بمعنى المحمدة ، والأولى أن يقال الحصر بناء على عدم الاعتداد بحمد العبد باعتبار كسبه ، وأيضا قوله ويأباه قوله في الحقيقة ليس بمسلم على ما مرّ من معناه . ( أقول ) ما ذكره المصنّف هنا برمّته مأخوذ من الإمام وقد قدم طرفا منه في تفسير لفظ الرحمن وحاصله أنّ كل ما هو في الوجود موجود مما هو ممدوح ومحمود صفات وأفعالا بخلقه تعالى ابتداء أو بوسط كلا وسط ، إذ هو خالق لفاعله وممكن له من فعله وموجد لدواعيه ، وهذا لا ينكره أحد من العقلاء فإنّ إنكاره تعطيل فحينئذ إذا حصر الحمد فيه ، وقيل إنه لا يحمد سواه نظرا لهذا أي ضير فيه ، وهذا مما يجري في المقام الخطابي ادّعاء ومبالغة لا سيما إذا انسلخت الأخبار من الخبرية إلى الإنشاء ، فإن أراد هؤلاء أنه لا يتأتى باعتبار اللغة ، وعرف التخاطب حقيقة فقد وقع في كلامهم مرّة بعد أخرى ما يدفعه ، فتذكره ولا تكن من الغافلين ، وأمّا كون ما ذكره في سورة سبأ مما ينافيه مع أنه صريح فيه فغنيّ عن الجواب . وقوله : ( إذ الحمد إلخ ) تعليل للاستغراق ، وأفرده بالتعليل لأنّ الجنس معنى ظاهر أصليّ وما جاء على الأصل مستغن عن بيان وجهه وعلته كما قيل ويحتمل أنه تعليل لهما أي لم يجعل لفرد معين لما ذكر ، والأوّل هو الظاهر ، والمولى بضم الميم وكسر اللام كالمعطى زنة ومعنى ،
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 134 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي