. . .
شرح
بكسب العبد يصلح أن يحمد اللّه عليه بالحقيقة باعتبار خلقه له على المذهب الحق لا على مذهب المعتزلة ، وأيضا المحامد الراجعة إلى العباد لما كانت أنفسها بخلقه تعالى على المذهب الحق كان القول بكون جميع المحامد مختصة به تعالى أقرب ، وأظهر منه على مذهب المعتزلة ، وقيل مبناه على أنّ المصادر نائبة مناب الأفعال سادّة مسدّها والأفعال لا تعد ودلالتها عن الحقيقة إلى الاستغراق وردّ بأنّ ذلك لا ينافي قصد الاستغراق بمعونة قرائن الأحوال ، وقيل إنما اختاره بناء على أنّ الجنس هو المتبادر إلى الفهم الشائع في الاستعمال لا سيما في المصادر ، وعند خفاء القرائن وردّ بأنّ المحلي بلام الجنس في المقامات الخطابية يتبادر منه الاستغراق ، وهو الشائع في الاستعمال هناك مصدرا كان أو غيره وأي مقام أولى بملاحظة الشمول والاستغراق من مقام تخصيص الحمد به سبحانه تعظيما ، فقرينة الاستغراق كنار على علم ، والحق أنّ سبب الاختيار هو أنّ اختصاص الجنس مستفاد من جوهر الكلام ، ومستلزم لاختصاص جميع الأفراد فلا حاجة في تأدية المقصود الذي هو ثبوت الحمد له تعالى ، وانتفاؤه عن غيره إلى أن يلاحظ الشمول والإحاطة ، ويستعان فيه بالأمور الخارجية بل نقول على ما اختاره يكون اختصاص جميع الأفراد ثابت بطريق برهاني ، فيكون أقوى من إثباته ابتداء انتهى .
وفيه أنّ ملخص ما ذكره من أنّ اختصاص الجنس يستفاد من جوهر الكلام من غير حاجة إلى الاستعانة فيه بأمور خارجية أنّ الجنس هو المتبادر إلى الفهم لأنه لا معنى للتبادر إلّا التسارع ، وإذا كان فهمه من جوهره قبل ملاحظة أعرا منه فلا شبهة في سرعته إلى الفهم قبل كل شيء ، وقد ردّه آنفا وإذا كان اختصاص جميع الأفراد بطريق برهاني ، فلا شبهة في خفائه ، فكيف يقال إنه كنار على علم .
وقوله أي مقام أولى إلخ فيه بحث ظاهر مع أنّ الاختصاص المدّعى مبنيّ على أنّ مدلول اللام الاختصاص بمعنى القصر وهو غير ثابت ، وكلامهم فيما يفيد الاختصاص هنا مضطرب ، كما فصله بعض الفضلاء ولولا خوف السآمة أوردناه برمته ، ولما رأى المصنّف رحمه اللّه أنّ كلّ ما ذكر من الوجوه مقتض لمرجوحية الاستغراق دون كونه ، وهما عدل عن عبارته في الكشاف ومبناه على أنّ معاني اللام كل منها أصل برأسه كما مرّ ، فاندفع عنه ما قيل إنه إن أراد المصنّف رحمه اللّه أنّ التعريف للاستغراق في مقابلة كونه للجنس ، فهو ظاهر البطلان إذ اللام لتعريف مدخولها قطعا ، وليس مدلول لام الجنس الاستغراق ، وإن أراد أنّ الحمد محمول على الاستغراق بمعونة المقام ، فصحيح إلّا أنه لا يقابل قوله والتعريف للجنس ، إلّا أن يحمل على أنّ التعريف للجنس بلا انضمام استغراق معه قوله : ( إذ الحمد في الحقيقة كله له ) المصنفون يستعملون قولهم في الحقيقة كما بيّنه شراح الهداية فيما إذا دل أمر بحسب ظاهره على شيء ، فإذا دقق النظر فيه علم أنه يؤل إلى شيء آخر هو المراد منه ، فليس المراد بها مقابل المجاز كما قد يتوهم قيل ويرد على ما قاله المصنّف أنّ حمد العبد بصفته الجميلة على الجميل الاختياري