نقيض الشكر ورفعه بالابتداء ، وخبره للّه ، وأصله النصب ، وقد قرئ به ، وإنما عدل عنه
شرح
العبد بإنعام مولاه ويثنى عليه لم يظهر منه شكر ظهورا تاما ، وإن اعتقد أو عمل لا يعدّ شاكرا لأن حقيقة الشكر إظهار النعمة ، كما أن الكفران سترها .
( قلت ) سئل عن الحديث السخاوي فقال بعدما مرّ إنّ فيه انقطاعا بين قتادة وابن عمر ، ولكن له شاهد عند ابن السني والديلميّ أيضا من طريق يزيد بن الحباب عن عمر بن عبد اللّه بن أبي خثعم عن يحيى بن أبي كثير عن أنس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ إبراهيم سأل ربه فقال يا رب ما جزاء من حمدك قال الحمد مفتاح الشكر والشكر يعرج به إلى عرش ربّ العالمين قال فما جزاء من سبحك قال لا يعلم تأويل التسبيح إلا ربّ العالمين » « 1 » وهو منقطع أيضا .
واعلم أنّ في قوله رأس الحمد استعارة مكنية وتخييلية لأنه حقيقة الشكر إشاعة النعم والكشف عنها ، فجعل بمنزلة شخص يعاون وظهوره برأسه ، ونظيره مفتاح الشكر فاعرفه .
قوله : ( والذمّ نقيض الحمد الخ ) أمّا الثاني : فظاهر قال تعالى :لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ[ سورة إبراهيم ، الآية : 7 ] لأنه إظهار النعمة والكفران جحودها وسترها وهذا بناء على أن أصل معناه أظهر كمقلوبه كشر إذا أظهر أنيابه ، وقيل : معناه الامتلاء . ومنه عين شكري أي ممتلئة ، وأمّا الأوّل فلأنه الثناء بالجميل ، وذكر المحاسن والذمّ ذكر القبائح وكذا المدح ، فإطلاق الذمّ في مقابلته مشهور ، وأمّا المدح بمعنى عدّ المناقب فمقابله الهجو بمعنى عدّ المعايب والمراد بالنقيض المنافي ، ومنافي العام منافي للخاص ، فلا يرد أنه مقابل للمدح ، والمصنف رحمه اللّه غير قائل بترادف المدح والحمد ، فكيف ذكر أنه نقيض الحمد ، ومن وهم أنّ اشتهار الذمّ في مقابلة المدح يبطل كونه نقيض الحمد ، أو كون المدح أعمّ من الحمد فقد وهم ، وقد مال قدّس سره إلى أنّ اتحاد نقيضهما يقتضي ترادفهما كما مرّ ، وقد قيل عليه أيضا إنه إن أراد بالنقيض متعارف أرباب الميزان ، فظاهر أنّ الذمّ ليس نقيضا للحمد بذلك المعنى إذا ليس هو رفعه لوجود رفعه في صورة السكوت بدون الذمّ ، وإن أراد معنى الضدّ ، فلا يلزم أن يكون للشيء ضدّ واحد غير متعدّد البتة إن أراد به الضدّ المشهور ، وإن أراد الضدّ الحقيقي المعتبر فيه غاية الخلاف ، فلا نسلم ذلك أيضا ، وما ذكره الحكماء من أنّ ضدّ الواحد إذا كان حقيقيا يكون واد غير مسلم عند المتكلمين والحكماء لا يقولون بثبوته بالبرهان القاطع بل يدّعون فيه الاستقراء ، وهذا كله تعسف وتنزيل كلام اللغويين على مدّعي الحكماء حرزة ، والنقيض عند اللغويين كما مرّ المقابل المنافي ، فلا حاجة لشيء مما ذكر . قوله : ( ورفعه بالابتداء الخ ) كون العامل الابتداء هو القول الأصح المشهور ، وذكر هذا الإعراب مع ظهوره إمّا لدفع ما يتوهم من أنّ المجرور معمول المصدر واللام للتقوية ، فذكر رفعه بالابتداء ليتعين
هامش
( 1 ) أخرجه الديلمي في الفردوس 80 من حديث أنس .