تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
وما في إدآب الجوارح من الاحتمال جعل رأس الشكر والعمدة فيه فقال عليه الصلاة
شرح
قال قدّس سره : وهو إحدى شعب الشكر باعتبار المورد وإن كان الشكر إحدى شعبه باعتبار المتعلق ، وعبر عن الأقسام بالشعب لتشعبها من مقسمها ، فإذا لم يعترف العبد بإنعام المولى ، ولم يبن عليه ما دلّ على تعظيمه لم يظهر منه شكر ظهورا كاملا ، وإن اعتقد وعمل لم يعدّ شاكرا ، لأن حقيقة الشكر إظهار النعمة والكشف عنها ، كما أنّ كفرانها إخفاؤها وسترها ، والاعتقاد أمر خفيّ في نفسه وعمل الجوارح ، وإن كان ظاهرا إلا أنه يحتمل خلاف ما يقصد به إذا لم يعين له بخلاف النطق ، فإنه ظاهر في نفسه ، ومعين لما أريد وضعا فهو الذي يفصح عن كلّ خفيّ ، فلا خفاء فيه ، وعلى كلّ نسبة ، فلا احتمال له ، وكما أنّ الرأس أظهر الأعضاء ، وأعلاها وعمدة لبقائها كذلك الحمد أظهر أنواع الشكر وأشملها على حقيقته ، حتى إذا فقد كان ما عداه بمنزلة العدم انتهى . فجعل أنواع الشكر بمنزلة الجسد والحمد بمنزلة رأسه لما ذكره ، ولما كان المقصود بالتشبيه كونه عمدة البقاء مع العلوّ والظهور خص دون القلب كما لا يخفى ، فلا يرد عليه ما قيل إنّ العمدة القلب إذ لو لم يوافقه اللسان لا يكون القول معتبرا ولا يعتدّ به ، ولا حاجة إلى قوله ويمكن أن يقال جنس الحمد رأس الشكر لكونه من اللسان الذي اعتبره الشارع في مقام الإظهار ، وقيل إنه عليه الصلاة والسلام شبه الشكر بشجرة لأنه مشتمل على أمر خفيّ به قوامه وصلاحه وهو الاعتقاد ، وعلى أمر ظاهر وهو القول ، وعلى متوسط بينهما وهو العمل فقال « الحمد رأس الشكر » « 1 » فذكر الشكر استعارة بالكناية وإثبات الرأس تخييل ، فقصد الردّ عليه لملاءمة الشعب لما ذكره ، وهو لم يقع في الحديث مع أنه يطلق على ما بين القدمين أيضا ، والحديث يدل على عدم وجود الشكر بدون الحمد ، وما ذكره لا يناسبه ، وفي قوله ذكر الشكر الخ تسامح ظاهر ، فلا وجه لتخطئته فيه والقول بأنه اصطلاح جديد . قوله : ( أشيع للنعمة وأدلّ على مكانها ) أشيع بمعنى أكثر إشاعة ، وإظهارا من بقية شعبه وأقسامه ، وهذا بناء على مذهب سيبويه في جواز أخذ أفعل التفضيل من الأفعال المزيدة ، وعليه الرضى لكثرته استعمالا والجمهور على أنه نادر موقوف على السماع ، ولك أن تقول لا حاجة لهذا لأنه من شعت الشيء كبعته إذا أظهرته كما في القاموس ، ولم يتعدّ بالباء بل باللام لأنه أفعل تفضيل يطرد تعديته بها كما فصله النحاة وكان الأظهر أن يقول للتعظيم بدل قوله للنعمة لأن الحمد لا يلزم أن يكون في مقابلتها ، وأدلّ بمعنى أظهر دلالة ، ومكان النعمة المراد به النعمة على طريق الكناية ، كما يقال المجلس العالي كناية عمن هو فيه ، ولفظة مكان مقحمة لورودها كذلك في كلام العرب كقول الشماخ :وماء قد نقيت به بكورا * مكان الذنب كالرجل اللعين
هامش
( 1 ) هو الحديث المتقدم .
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 123 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي