شرح
أنهما مترادفان ، والترادف بعدم اعتبار قيد الاختيار فيهما أو باعتباره فيهما ، وهذا هو المراد وإن ذهب بعضهم إلى الأوّل ويدلّ على ذلك أنه قال في الفائق الحمد هو المدح والوصف بالجميل ، وأنه جعل ههنا نقيض المدح أعني الذمّ نقيضا للحمد ، فإن قيل نقيض المدح هو الهجو دون الذمّ قلنا المدح يطلق على الثناء الخاص ، وهو الوصف بالجميل ويقابله الذمّ ، وقد يخص بعدّ المآثر ويقابله الهجو أي عدّ المثالب وكلامنا في المعنى الأوّل ثم أيده بأنّ ما ذكره أوجب حمل الأخوة على الترادف وبأنه قال في الكشاف في تفسير قوله تعالى :وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ[ سورة الحجرات ، الآية : 7 ] إنّ المدح لا يكون بفعل الغير ، وتأوّل التمدح بإجمال وصباحة الوجه ، فالمدح أيضا مخصوص بالاختياري عنده وتركه اعتمادا على الأمثلة ، والجميل الفعل وهو ما يكون بالاختيار ، وقد نوقش بأنّ الأدباء يجوّزون التعريف بالأعمّ ، والنقيض في كلامه بمعناه اللغويّ ، ويجوز أن يكون شيء واحد نقيضا لشيئين بينهما عموم وخصوص بهذا المعنى ، وهذا مراد القاضي رحمه اللّه بقوله الذّم نقيض المدح مع أنه أخص من المدح عنده فكون الذمّ نقيضا لهما لا يدلّ على اتحادهما إلا أنها مع سوق كلام الكشاف قرينة ظنية على الترادف كافية في المطلوب ، وقيل على هذا إنّ الواجب أن يحافظ في كل مبحث على ما هو وظيفته فلا يطالب في الظنيات باليقين ، ولا يكتفى في اليقينيات بالظنّ ، ومثل هذا المقام من الظنيات ، والظاهر الغالب من التعريف بيان أصل المفهوم والتعريف بالأعمّ ، وإن كان جائزا لكنه نادر بالنسبة لغيره ، فالمطلق لا ينصرف إلا لبيان تمام المفهوم والنقيض وإن كان بالمعنى اللغويّ بمعنى المقابل الذي لا يجتمع مع الشيء فالظاهر عدم كون شيء مقابلا للأمرين ولولا هذا لأمكن أن يكون مراد الزمخشريّ بالأخوين المتشابهين فإن الأخوّة شاعت في المشابهة كما في الفائق أيضا ، وما ذكر من مقابلة المدح بالذمّ لا يعارضه قول أبي تمام :كريم متى أمدحه أمدحه والورى * معي ومتى ما لمته لمته وحديفإنه مدخول وعدل عن مقابلته به إشارة إلى أنه لا يمكن ذمه ، فإن قلت كيف ينكر المدح على غير الاختياري ، وقد قال البحتري في مدح شفيع ، وهو ممن يستشهد بكلامه في المعاني :حاز شكري وللرياح اللواتي * تحلب الغيث مثل مدح الغيوموقال آخر :أرح المسك مدحة الغزلانومثله أكثر من أن يحصى ، فكيف يسمع ما قيل من أنّ مثال اللؤلؤة مصنوع .
( قلت ) وروده في كلام الموثوق به لا يمكن انكاره ، فمن أنكره يقول إنه وأمثاله من قبيل التمثيل والتنزيل ، نعم هو مخالف لما قاله علماء البلاغة ، فقد قال الآمديّ في الموازنة وناهيك به ما نصه : جمال الوجه وحسنه مما يتمدّح به لأنه يتيمن به ، ويدل على الخصال الممدوحة ، والدمامة يذمّ بها لعكس ذلك ، وقد غلط فيه من ظنّ أنه لا ينبغي أن يذكر في مدح العظماء