الْحَمْدُ لِلَّهِ
الحد هو الثناء على الجميل الاختياري من نعمة أو غيرها والمدح
شرح
إلى ما سيأتي في الفاتحة في الالتفات فتدبر . قوله : ( الحمد هو الثناء الخ ) اختلف أهل اللغة في الثناء فقال ابن القطاع : إنه يستعمل في الخير والشرّ ، والأصح كما قاله ابن السيد أنه لا يستعمل إلا في الخير وإنّ العام هو الثناء بتقديم النون على المثلثة ، وما ورد على خلافه على ضرب من التأويل والتجوّز كالمشاكلة والتهكم ، فهو ذكرى الجميل ، وهل يشترط فيه اللسان أم لا فقيل لا ، وحقيقة الحمد إظهار الصفات الكمالية سواء كان ذلك باللسان أم لا ، ومن ذكر اللسان لم يرد العضو المخصوص ، وإلا لم يكن اللّه حامدا لنفسه ولا لغيره حقيقة ، وهو ظاهر البطلان بل قوّة التكلم وليس حقيقة التكلم إلا الإفاضة والإعلام مع شعور الفيض ، وإرادته ويؤيده حديث « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » وإن حمل على المشاكلة أو التجوّز فالمعنى عظمت نفسك أو ذكرت نفسك بكلامك القديم بناء على مذهب الشهرستاني ، أو التخصيص باللسان بالنسبة لحمد العباد ، وقيل عليه إنّ قوله وإلا لم يكن حامدا الخ لا يخلو عن شيء لأنه إن أراد أنه لا يكون كذلك على هذا القول حقيقة فمسلم ، لكن قوله ظاهر البطلان في حيز المنع بل هو باطل لأنّ صريح إطلاقهم يدلّ على خلافه كقول الزمخشريّ والحمد هو الثناء باللسان وحده ، وقال في الحواشي الشريفية : ادّعى اختصاصه باللسان لكونه أشبع وأدلّ ، فظهر أنّ المراد العضو المخصوص ولو سلم أنه ليس بمراد فليس بمعنى قوة التكلم المذكورة أي لعدم لزوم الإفاضة في حمده لنفسه ، وإن أراد أنه لا يكون حامد إلا حقيقة ولا مجازا فغير مسلم لجواز إطلاق عليه مجازا كالرحمة ، ففي عدم الاحتياج إلى قيد اللسان مناقشة ظاهرة كما أشار إليه الخطابي ، وزاد بعضهم فيه على جهة التعظيم ليخرج الهزؤ والسخرية ، وقيل لا حاجة إليه أصلا أما على تعريف الحمد الأول ، فلاستغنائه عنه بلفظ الثناء إذ المتبادر منه ما طابق فيه اللسان الجنان ، وأمّا على الثاني فلأن إظهار الصفات الكمالية معتبر فيه قيد الحيثية كما في سائر التعاريف فيخرج ما ذكر ، وما قيل أن لفظ الثناء لا يأباه لأنهم فسروه بمطلق الذكر بالخير ليس بشيء على أنه قيل إنّ الوصف على طريقة الاستهزاء ليس وصفا بالجميل حقيقة إذ المستهزئ يريد ضدّه على نهج الاستعارة التهكمية وقد يوصف بالجميل ظاهرا بلا قصد للتعظيم ولا للاستهزاء بل حكاية لما يزعمه الموصوف تعريفا له ، وقد قيل أنّ قوله تعالى :ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ[ سورة الدخان ، الآية : 49 ] يحتملهما وهو أيضا خارج فتدبر . قوله : ( على الجميل الاختياري الخ ) الجميل صفة مشبهة من جمل الرجل بالضم والكسر جمالا فهو جميل وامرأة جميلة وقال سيبويه رحمه اللّه : الجمال دقة الحسن والأصل جمالة بالهاء كصباحة فخفف لكثرة الاستعمال ، وتجمل تجملا بمعنى تزين وتحسن فالجميل بمعنى الحسن ، فتوصف به الذوات والأفعال كما عليه أهل اللغة قاطبة ، فما قيل أنّ الجميل هنا صفة للفعل ، ولذا ترك في الكشاف قيد الاختياري يرد عليه أنّ معناه اللغوي أعم ،
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 486 وأبو داود 879 والترمذي 3491 والنسائي 2 / 222 من حديث عائشة بأتم منه .