لأن يستعاب به في مجامع الأمور هو المعبود الحقيقيّ الذي هو مولى النعم كلها عاجلها وآجلها ، جليلها وحقيرها ، فيتوجه بشراشره إلى جناب القدس ، ويتمسك بحبل التوفيق ، ويشغل سره بذكره ، والاستمداد به عن غيره .
شرح
بالعلية ، ومجامع الأمور المهمة المعزوم عليها أو جميعها . قوله : ( المعبود الحقيقي ) إشارة إلى الجلالة الكريمة ، ومولى لنعم بضم الميم بزنة اسم الفاعل وما بعده مشير لما مرّ ، وجليل النعم وحقيرها ، لف ونشر للاسمين ، أو كناية عن الكل على نهج قوله ولا صغيرة ولا كبيرة . قوله :
( فيتوجه بشراشره ) جمع شرشرة بالفتح وتستعمل بمعنى النفس والجسد فيقال ألقى عليه شراشره أي نفسه حرصا ومحبة قال ذو الرمة :وكائن ترى من شدّة ومحبة * ومن عته تلقي عليها الشراشروتكون بمعنى الانتقال والثبات وهدب الإزار وقطعه ، وتحقيقه أنه في الأصل أطراف الأجنحة والذنب ، وفي كتاب النبات أنّ شرشرة الطائر تعريشه قال ابن هرمة :فعوين يستعجلنه ولقينه * يضربنه بشراشر الأذنابفكنى به عن الجملة كما يقال أخذه بأطرافه ، ويمثل به لمن يتوجه بكليته فيقال : ألقى عليه شراشره كما قال الأصمعي كأنه لتهالكه طرح عليه نفسه بكليته ، وهو الذي عناه المصنف رحمه اللّه إذ مراده التوجه ظاهر أو باطنا ولذا خصه بالعارف .
وفي الكشف أنّ من مذهب صاحب الكشاف أن يجعل تكرار الشيء للمبالغة كما في زلزل ودمدم ، وكأنه لنقل الشر في الأصل ، ثم استعمل في الإلقاء بالكلية مطلقا شرا كان أو غيره واعترض عليه صاحب القاموس رحمه اللّه في شرح ديباجة الكشاف بأنه غير جيد لأنّ مادّة شرشر ليست موضوعة لضدّ الخير وإنما هي موضوعة للتفرّق والانتشار وسميت الأثقال شراشر لتفرّقها انتهى . وفيه نظر . قوله : ( إلى جناب القدس ) أي إلى اللّه المنزه المقدّس جنابه عز وعلا وحبل التوفيق كلجين الماء أو مكنية أو تخييلية أو الكلام بجملته تمثيل ، كأنه لتوجهه إلى عالي جنابه وتقرّبه منه كمن يترقى بحبل إلى العلو ، والسرّ في الأصل الخفي وما يكتم وكنى به هنا عن الباطن ، وقيل : هي حالة للمعارف تكون سببا للفيض ، وفي كتاب البدائع لابن القيم نقلا عن ابن عقيل : أنّ من قال بين اللّه وفلان سرّ فقد كفر وكذبك وقولهم أسألك بالسرّ الذي بينك وبين أنبيائك وأوليائك حماقة ، وأي سرّ بين اللّه وعبده وردّه ابن الجوزي رحمه اللّه بأنهم يعنون به العبادة المستورة عن الخلق ونحوها انتهى . والذي يظهر لي من السرّ أنه أسماء اللّه وصفاته ونحوها مما وقف اللّه عليها بعض خلص عباده وأعلمهم أنه متى سئل بها أجاب كما ورد في الآثار الصحيحة أسألك بكل اسم هو لك استأثرت به أو علمته أحدا من خلقك ، وقد اشتهر أن اسمه الأعظم الذي يجاب به الدعاء لا يعلمه كل أحد وعن متعلقه بيشغل أو بحال مقدّرة أي معرضا عن غيره ، وقيل عن هنا بدلية قيد للاستمداد وهو تعسف . وقوله : ( فيتوجه الخ ) إشارة