والتمكن من الانتفاع بها ، والقوى التي يحصل بها الانتفاع إلى غير ذلك من خلقه ، لا يقدر عليها أحد غيره أو لأنّ الرحمن لما دل على جلائل النعم ، وأصولها ذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها فيكون كالتتمة والرديف له ، أو للمحافظة على رؤوس الآي ، والأظهر أنه غير
شرح
أيضا ، فلا وجه لما قيل من أنّ نسبة الخلق إلى الوجود غير ظاهرة وأنه بناء على أن الماهيات مجعولة ، والداعية هي الخاطر المشوّق للفعل حتى كأنه يدعوه . قوله : ( الباعثة الخ ) تفسير له ، والقوى جمع قوّة ، وهي معروفة شاملة للباطنة والظاهرة المبينة في الحكمة . قوله : ( أو لأن الرحمن الخ ) يعني أنّ الوجوه السابقة مبنية على أنّ الأبلغ مشتمل على معنى ما بعده ، وهذا ليس كذلك على هذا ، لأنّ الرحمن المنعم بجلائل النعم وأصولها كالإيجاد ، والرحيم المنعم بما عداها ، فأردف به ليتناول ما بقي منها كالتتميم وذكر الرديف وهو البالغ المتمم وإنما يتعين الترتيب المذكور على الأوّل ، إذ لو عكس عرا عن الفائدة ، وعلى هذا ليس كذلك فلذا أردف الرحيم تنبيها على شمول عنايته ذرات الوجود لئلا يتوهم أنه لا تطلب منه المحقرات لعظيم جنابه كما أفاده الشريف ، وفيه ما مرّ فتدبر . قوله : ( أو للمحافظة الخ ) الآي جمع آية ورؤوسها أواخرها التي تنتهي بها سميت رأسا مجازا تشبيها لها برأس الجبل والنخلة ، ونهايتها التي ينتهي إليها الصاعد من أسفلها ، ولذا يقال رأس السنة لآخرها وفي الحديث أنه صلى اللّه عليه وسلم بعث على رأس الأربعين أي آخرها كما بين في السير ، وقيل : لأنها عليها مباني الآيات كما أنّ الرأس مبني الإنسان وقيل : عبر عن الآخر بالرأس للتعظيم تأدّبا والمحافظة عليها بمجانسة ما قبل الآخر من الرويّ وحرف اللين وهذا بناء على أنّ في القرآن سجعا ، وفيه كلام سيأتي في سورة يس ، وقيل رؤوس الآي أوائلها والمعنى لتكون رؤوس الآي بعد كلمات متناسبة ، ولا يخفي ما فيه من التكلف ، ثم إنّ المحافظة لا تجري في كل سورة بل فيها ما يقتضي خلاف هذا كسورة الرحمن ولهذا قيل : إنّ هذا في غاية الضعف لابتنائه على أنّ الفاتحة أوّل نازل فروعي فيها ذلك ، ثم طرد في غيرها وعلى أنها آية من السورة . قوله : ( والأظهر أنه غير مصروف الخ ) في التسهيل وشروحه ومنع صفة على فعلان ذي فعلى بإجماع النحاة ، كسكران سكرى للصفة ، والزيادتين المشابهتين لألفي التأنيث في عدم قبولها التأنيث ، فلو قبلها انصرف كندمان ندمانة ، واختلف فيما لزم تذكيره كلحيان بمعنى كبير اللحية فمن منعه ألحقه بباب سكران لأنه أكثر ومن صرفه رأى أنه ضعيف وادّعى منعه والأصل الصرف انتهى .
وقال ابن الحاجب : الألف والنون إن كانا في اسم ، فشرطه العلمية ، أو في صفة انتفاء فعلانة ، وقيل : وجود فعلي ومن ثمت اختلف في رحمن دون سكران وندمان ، وبنو أسد يصرفون جميع فعلان لأنهم يقولون في كل مؤنث له فعلانة انتهى .
وقيل : أحسن ما قيل في تقريره إنّ شرط كون مؤنثه فعلي إنما اعتبر لتحقق انتفاء فعلانة إذ به تتحقق مضارعتها لألفي التأنيث والاختصاص العارض كما منع وجود فعلي منع وجود