الدنيا ، ولأنه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره لأنّ معناه المنعم الحقيقيّ البالغ
شرح
مسلم لما بيناه في البحث الأوّل فهو لا يوافق كلام العلامة ، ولو اقتصر على ما بعده كان وجها وجيها لأنّ المراد أنهما ذكر الإفادة الشمول والعموم كما تقول الكبير والصغير يعرفه ، ولو عكست صح وكان المعنى بحاله ، ومثله لا يلزم فيه الترتيب كما فصله في المثل السائر ، ولولا خوف الإطالة لا وردناه برمته ومنها أنّ قوله وأبطل الخ فيه ما مرّ فإنّ من النحاة وشرّاح الكشاف من ذهب إلى أنّ ( الرحيم والرحمن ) صفتان مشبهتان ، فلا بدّ من لزوم فعلهما معا فلا يصح الفرق والنقل لباب فعل بالضم ، وذهب ابن ما لك وغيره إلى أنهما من مبالغة اسم الفاعل فلا يلزم اللزوم ولا يتأتى ما ذكره ، فإن قلت كيف يدّعي اللزوم ، وقد ورد رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما بالإضافة إلى المفعول . قلت : من يدّعيه يقول : إنه على التوسع ، كما بينه النحاة في باب الظروف ، ثم أنّ المدّقق قال في الكشف : والتحقيق يقتضي أن يرد النظم على هذا الوجه ، ولا يجوز غيره لأنّ اللّه اسم للذات الإلهية باعتبار أنّ الكل منه وإليه وجودا ورتبة وماهية ، والرحمن اسم له باعتبار تخصيص كل ممكن بحصة من الرحمة ، وهي الوجود الخاص ، وما يتبعه من وجود كمالاته فلو لم يورد كذلك لم يكن على النهج الواقع المحقق ذوقا وشهودا عقلا ووجودا ، وأيضا لما كان المقصود تعليم وجه التيمن بأسمائه الحسنى وتقديمها عند كل مسلم كان المناسب أن يبدأ من الأعلى فالأعلى إرشادا لمن يقتصر على واحد أن يقتصر على الأولى فالأولى وتقريرا في ذهن السامع لوجه التنزل أوّلا فأوّلا انتهى .
( قلت ) : يؤيده أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يكتب بسم اللّه الرحمن حتى نزلت سورة النمل فدقق النظر ليتم الظفر ، وما قيل على هذه القاعدة من أنها غير مطردة لقوله تعالى :رَسُولًا نَبِيًّا[ سورة مريم ، الآية : 51 ] ليس بوارد لما ذكر ثمة من أنهما بالمعنى اللغويّ أو كل أبلغ من وجه أو هو لرعاية الفاصلة . قوله : ( لتقدّم رحمة الدنيا الخ ) أي تقدّما زمانيا وجوديا فروعي ذلك في لفظه على كلا الاعتبارين لإضافته فيهما الدنيا ، وقيل إنما هو إذا قصد المبالغة في الرحمن باعتبار المرحومين ، والظاهر أنه باعتبار ما ذكره أوّلا من قوله رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ، وما قيل من أنّ الرحمن يتناول رحمة الدنيا على كل حال سواء اعتبر الكمية أو الكيفية بخلاف الرحيم ورحمة الدنيا مقدّمة في الوجود ، فناسب تقديم ما يدل عليها ففيه أنّ الرحمن بالاعتبار الثاني لا تعلق له بالثاني فتقديمه أولى قوله : ( ولأنه صار كالعلم الخ ) أي أشبه في اختصاصه به استعمالا ومعنى إلا لتعنت في الكفر كقولهم لمسيلمة رحمن اليمامة ، فناسب مقارنة العلم ، وتقدّمه على الوصف المحض ، ولأنه بمنزلة الموصوف لمحض الوصف ، واقتضاء السياق تقديمه باعتبار المعنى الوصفي ، وبهذه المشابهة ضعف فيه ذلك ، فلم يعلم به ، وله مناسبة بالعلم والوصف ، فناسب توسطه بينهما ، وما قيل : على هذه الوجوه من أنها مبنية على كون الرحيم وصفا محضا لا غالبا وهو إذا عرف باللام من الأوصاف الغالبة أيضا ليس بشيء لأن القائل بذلك لا ينكر إطلاقه على غير اللّه فكيف يدّعي الغلبة فيه ، وذهب الأعلم وتبعه ابن هشام وغيره إلى أنه علم