تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
في الرحمة غايتها ، وذلك لا يصدق على غيره لأن من عداه ، فهو مستعيض بلطفه وإنعامه يريد به جزيل ثواب أو جميل ثناء أو يزيح أنفة الخسة أو حب المال عن القلب ، ثم إنه كالواسطة في ذلك لأنّ ذات النعم ووجودها ، والقدرة على ايصالها ، والداعية الباعثة عليه ،
شرح
نظائره ، وألحق بالأسماء واختصاصه به لإرادة أكمل أفراده فلا يلزم اختصاص المنعم أيضا كما توهمه فتدبر . قوله : ( وذلك لا يصدق على غيره ) أي ذلك المعنى المذكور وإن كان بحسب الوضع مفهوما كليا ، فهو منحصر في فرد كالشمس ، والصدق ضدّ الكذب تجوّز به أو نقل للدلالة على بعض أفراد معناه كما هو معروف في كلامهم أي لا يطلق عليه وقوله مستعيض بالعين المهملة أي طالب للعوض لا بالفاء ، وإن صح هنا بتكلف وهو تعليل لكون المنعم الحقيقي لا يصدق على غيره أو لكون المنعم الحقيقي هو البالغ نهاية ذلك لأنّ الإنعام والجود إفادة ما ينبغي لمن ينبغي لا لعوض كما في الإشارات حتى قالوا من جاد لعوض ، فهو فقير كما في الهياكل وفيه تأمّل . قوله : ( يريد ) تفسير لكونه مستعيضا ولما لم يكن المراد به العوض المالي ، لأن طالبه تاجر لا واهب بل المنافع المعنوية بينه بما ذكر . وقوله : ( جزيل ثواب الخ ) من إضافة الصفة للموصوف أي الثواب الجزيل ، والثناء الجميل وهو لبيان الواقع إذ الثناء لا يكون إلا جميلا ، والثواب مضاعف كما وعد الكريم به فهو جزيل بالنسبة بما أعطاه أبدا ، فلا وجه لما قيل من أنّ الأظهر أن يقول يريد به ثوابا إذ العموم أنسب ، فيعتذر بأنه لموازنة ما بعده ، ويزيح بزاي معجمة وحاء مهملة مضارع أزاح بمعنى أزال ، وفي نسخة مزيح بصيغة اسم الفاعل منه معطوف على مستعيض وهذه أعواض سلبية بخلاف ما قبلها . وقوله : ( أنفة الخسة ) الأنفة كثمرة ما يستنكف من عاره ، والخسة بالخاء المعجمة الدناءة أي يقصد بما يعطيه ذلك أو عدم لحوق عار الخسة ، وفي نسخة رقة الجنسية وهي الأصح رواية عند الفاضل الليثي ، والمراد ألم رقة الجنسية كما وقع كذلك في عبارة الغزالي ، ونقله هذا الفاضل في حواشيه يعني أنه يرق قلبه ، ويتأثر بما يشاهده من احتياج أبناء جنسه وسوء حالهم فيزيل ذلك الألم عنه بإحسانه ، وهذا عوض وفائدة عائدة عليه ولو قيل الرقة هنا بمعنى الضعف ، كما في قوله عجبت من قلة ماله ، ورقة حاله ، كما في الأساس لم يبعد فسقط ما قيل من أنه وقع بهذه العبارة في كتب الكلام في مبحث الحسن والقبح ، وليس لها كبير معنى . قوله : ( ثم إنه كالواسطة الخ ) قيل : إنّ ما قبله تعليل لعدم صدق البالغ في الرحمة غايتها على غيره ، وهذا تعليل لعدم صدق المنعم الحقيقي على غيره ، وقيل : إنه بيان لكونه منعما حقيقيا إذ لولاه لم يكن محسن ، ولا إحسان ، والأظهر أنه بيان لأنه لا منعم غيره مطلقا وهو أبلغ مما قبله ، ولذا عطف بثم لتفاوت رتبتهما لأنه في الأوّل أثبت لغيره إنعاما وهنا نفاه ، وقال : كالواسطة دون واسطة لأنها ما يتوقف عليه فعل الفاعل وفعله تعالى لا يتوقف على شيء ، وقيل : لأنّ كل ما له دخل في الإنعام فهو بخلقه تعالى حتى الكسب على رأي الأشعري . قوله : ( لأن ذات النعم الخ ) أي ذات النعم حاصلة من خلقه لها ، ومعنى كون وجودها من خلقه أنّ ثبوته لها مستند له